أقلام

” قوارب الموت ” لغة كيان وازمة خطاب 

بقلم د.محمد مرواني

يبدو اننا امام عجز مؤسساتي واضح في استيعاب ظاهرة “هجرة الشباب عبر قوارب الموت ” وهي تحيل لردة فعل حادة لقطاع واسع من الشباب الجزائري وهو كيان قابل للقياس يعبر عبر اقدامه على ” الحرقة ” على رفضه للواقع الشباني الاليم اجتماعيا وسياسيا ويقبل باندفاع على الانتحار عبر البحار في خيار يراه العديد من المغامرين الشباب البديل الوحيد لتجاوز وضع اجتماعي ومادي قاسي لا يتغير في نظرهم رغم كثافة تدابير المؤسسات والسلطات التي توجه سياساتها للشباب سواء في مجال التشغيل او التكوين وحتى الترفيه وغيرها من المجالات التي تخاطب فيها المؤسسات على مستوى الخدمة العمومية الشباب باختلاف اعماره وتباين مستوياته الاجتماعية والثقافية وغيرها من المتغيرات التي يمكن ان نصنف على اساسها فئة الشباب وللمفهوم ابعاد متعددة وفق ما تشير اليه العديد من الدراسات الاكاديمية التي تتناول وضع الشباب في المجتمع .

في الجزائر وبعيدا ان أي احكام مسبقة على الاداء خاطبت الدولة “الشباب ” بالمؤسسات وهذا جزء من ازمة الاتصال الموجودة بين منظومة الاداء الرسمي وقطاع واسع من الشباب لا يعلم عن حركة المؤسسات الرسمية وما تقدمه من خدمات خاصة في الجزائر العميقة الكثير من المعطيات ..بل ان قنوات الاتصال والآليات التي تستعين بها العديد من المؤسسات والجماعات المحلية في استقطاب الشباب للتكوين المهني والانخراط في اليات دعم وتشغيل الشباب مازالت لحد الان وسائل تقليدية لا تحقق قدرات الاستقطاب الشباني ولا تستوعب حركة الشباب خارج المؤسسات ومنظومة الاداء وبالتالي فان الخطاب الاتصالي لمؤسسات الشباب على اختلاف النشاط والاختصاص يحتاج لمراجعة شاملة تواكب على الاقل استخدمات الشباب لوسائط جديدة للاتصال والإعلام وهذا جزء من حركة المؤسسات لاستيعاب الكيان الشباني الذي تتنوع اهتماماته وميولاته وتتعدد انشغالاته ولا يمكن ان تتصل بالشباب عن طريق مؤسسات تذوب في “التكليف ” وإدارة برامج يمليها “التوجه والظرف ” بل ان الامر يحتاج لرؤية عميقة ومسار استراتجي على مستوى الحكومة التي يجب ان تملك منظومة اتصالية وإعلامية في قطاع الشباب وذلك لان الفجوة التي تتسع بين قطاع واسع من الشباب ومنظومة التاطير في الادارة والمؤسسات نرجعها الى غياب اداءات اتصال واستقطاب على مستوى الجماعات المحلية ومؤسسات الشباب التي مازالت تتعاطى في اعتقادي مع الشباب وكانه ” المبرمج ” لمشاريع ..او كيان بشري يحتاج لتكفل ..وفي اعتقادي ان التوجه نحو الشباب كفاعل حقيقي في المجتمع لا يمكن ان يتجسد غاية وحقيقة على ارض الواقع إلا اذا تبنت الدولة ” سياسة وطنية للشباب ” يجب ان تتوفر على المحتويات والأهداف الاستراتجية لجعل الشباب الفاعل في مؤسسات القرار وتشرك كياناته في الحياة المؤسساتية بالأداء المطلوب والغاية المنشودة وهذه سياسة دولة قبل ان تكون مهام قطاع .

ان هجرة الشباب عبر قوارب الموت كما تسمى لا يمكن حصرها في اعتقادي ضمن مسببات محددة اجتماعية كانت او نفسية او حتى سياسية بل ان ازمة الاتصال مثلا التي اشرت اليها سلفا الموجودة في منظومة غير منسجمة للمؤسسات الشبانية جزء هام من الاختلالات الموجودة في الاداء العام ولا يتم الانتباه الى موضوع الاتصال الشباني بالمستوى المطلوب وهذا ما نلاحظه في الحقيقة ضمن تعاطي السلطات مع “الظاهرة الاجتماعية الشبانية ” اذ يقتصر تعامل الجهات الرسمية مع الظاهرة بأبعادها الخطيرة على الشباب والمجتمع بحلول ظرفية يراد منها فقط امتصاص حالة “الغضب الشباني ” دون الاتجاه الى مقاربات عمل نوعية يتم على اساسها تغيير انماط التسيير في قطاع الشباب وجعله اكثر تعبير وتمثيلا للشباب كما لا يمكن اعتبار ” التوظيف والتشغيل ” الهم الشباني الوحيد الذي يحرك ‘” قوارب الموت ” بل ان التأمل في حركة الشباب المندفعة نحو ” أوروبا يحتاج فعلا لمركز دراسات استراتجي يتناول الظاهرة الشبانية في الجزائر بمختلف تمظهراتها وأبعادها الاجتماعية والسياسية والثقافية وغياب خطاب رسمي في التعاطي مع الكيان الشباني في البلاد بهذا الطرح الهام جعل التعامل مع اللغة المطلبية للشباب محصورا في تدابير وإجراءات .

اعتقد اننا بصدد خطاب حاد للشباب لا يقتنع فيه لحد الان بما يؤطر من خدمات ويصاغ من سياسات لا يشرك فيها ولا تتاح له ضمن مسارات تكوين وتدريب على العمل العام بسبب انشغاله المتواصل بالبحث عن فرص العمل والتشغيل وحتى قطاع واسع من شبابنا رغم التكوين الجامعي والمهني ثقافثة الادارية ومعلوماته عن نشاطات وخدمات الادارة والمؤسسات ضئيلة وهذا معطى في غاية الاهمية يجب الانتباه اليه في أي سياسة تسعى الدولة لإسقاطها على ” الواقع الشباني “.

ما ندعو اليه بإلحاح هو ان تراجع المؤسسات الشبانية وكل القطاعات المعنية بخدمة الشباب سياساتها وطرائق العمل المنتهجة التي تحيل الى طابع التنفيذ والإدارة الممركزة للعديد من الاعباء والأنشطة الموجهة للشباب والشروع في تأسيس ارضية وطنية لسياسة دولة موجهة للشباب تطرح مقاربات جديدة في التشغيل والتكوين وفي مشاركة الشباب في مؤسسات الدولة كفاعل اجتماعي منتج للأفكار بعيدا عن أي تسيس للكيان فقد اضر هذا التوجه المميع بالشباب وجعله في موقع “المستعمل ” لتفقد المؤسسات قدرات التاطير والاتصال بالشباب وإيقاعه خارج المؤسسات فعال ومؤثر خاصة حين القراءات الى القراءات التي تسعى لتوصيف حركة الاحتجاجات الشبانية والمسببات التي تحفز على احتجاج الشباب على الواقع والأداء .

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق