الثقافي
أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
print نسخة للطباعة Plain text نص بسيط comments التعليقات (0)

زربية "جبال عمور" بالأغواط : الإبداع الحرفي منبع لتعايش ثقافي مشترك

تختزل مضامين زربية "جبال عمور" ذات الصيت  الواسع خصوصا في أوساط  حرفيي الجهة الشمالية لولاية الأغواط, حضارات متعددة  تجمع تفاصيل مشهد متجانس لتعايش ثقافي مشترك ومتنوع وتعكس كذلك رسالة لتآلف  اجتماعي ظل راسخا لقرون عديدة بين الأجيال المتعاقبة . ولا يكاد يقام حدث حرفي أو تظاهرة تقليدية إلا وكانت هذه الزربية, التي تعد  نموذجا رائدا للإبداع الفني وسميت ب " جبال عمور " نسبة إلى الحيز الجغرافي  الممتد من بلدية سبقاق غربا إلى بلدية البيضاء شرقا, حاضرة فيه وبقوة كشاهد  على زخم تراثي يمزج بين عبق الأصالة ومتطلبات الحداثة . ومما زاد من عمق البعد الإنساني والتعايش المشترك عند استقراء دلالات ومضامين  هذا المنتوج التقليدي هو اشتراك الأجيال المتعاقبة على المنطقة عبر الزمن في  المحافظة عليه والتشبث به , ويبرز ذلك من خلال طريقة نسجه ورسم أشكاله ورموزه, وأيضا اختيار ألوانه المستوحاة بالأساس من الطبيعة الخلابة التي تتميز بها  هذه المنطقة التي تجمع خصائص طبيعية خلابة. ولعل ما أكسب هذه الزربية العريقة أيضا شهرة تخطت الحدود وصيتا عالميا واسعا  , ليس نوعيتها وتميزها فحسب بل جذورها التاريخية الغابرة التي لم يستطع أي من  الباحثين نسب مصدرها لبلد أو قبيلة بعينها , مما جعلها إرثا إنسانيا مشتركا  ''خالصا''.

  • ثقافات متعددة يختزلها منتوج حرفي بديع..

وتعكس زربية "جبال عمور'' في مضمونها من رموز وأشكال ورسومات لثلاث حضارات  وثقافات متباينة, التي تظهر لمساتها في النسخة الحالية للزربية , مثلما أوضح  مدير مركز الصناعات التقليدية بآفلو, فيصل ورنوغي , وهو أيضا باحث مختص في  زربية "جبال عمور " تحديدا. ويتجلى ذلك في مجتمعات الصنهاجيين الأمازيغ مرورا بالعرب ثم الأتراك , إذ  تركت كل واحدة منها بصمتها الإثنية والسوسيولوجية محافظة كلها على ملامح قاعدة  الزربية المتمثلة في الجزء السفلي منها كنقطة التقاء بين الجميع , حسب ما ذكر  المتحدث. ونالت حروف التيفيناغ (الأبجدية التي يستخدمها الطوارق والأمازيغ لتدوين  لغاتهم ) في عهد الأمازيغ النصيب الأوفر من الرسومات المستعملة , فيما حافظ  العرب بعدهم على الألوان وغيروا التقنيات وظهرت معهم مسميات جديدة من "  الرّمة " التي تمثل مجمل الأشكال المكونة للزربية ك " اللوشي " و " العصا " و  " المعكلفة''.وبدورهم أضفى الأتراك طابعهم وأطلقوا على " الرّمة " وطرق النسيج التي  أضافوها على زربية " جبال عمور" أسماء مشتقة من قاموسهم اللغوي وكأنهم أرادوا  منها أن تكون علامة مسجلة بأسمائهم على غرار " الخزناجية " و " الإسطنبولية"-  وفق شروحات ذات المختص-. ويبرز مدى تجذر هذه الحرفة الفنية في ظهور قبل عقود ما يعرف ب " الرّام " (  واضع الرسومات والرموز والأشكال) , ولمع في هذا المجال عديد الحرفيين الرجال  حتى اقترنت ابتكاراتهم الحرفية بأنماط نسيج جديدة لتخطف الأضواء وقتها أنماط "  فوضيل " و " الهتاك " و " بن عودة " وبقيت متداولة إلى عهد قريب.

 

  • زربية " جبال عمور " تصر على ولوج  العالمية

وفي الوقت الراهن يتجه المهتمون بالزربية نحو التخصص أكثر فأكثر وأصبح كل عرش  أو فرقة من عروش وفرق ''جبال عمور'' ينجزها على طريقته دون المساس بالألوان  والأشكال والرموز والتصاميم الأصلية , حيث ظهر التمايز بين زرابي عروش  "لعجالات" و"أولاد زيري" و"الحمازة "وغيرهم.و رغم التحولات الإجتماعية الحاصلة , فإن زربية " جبال عمور " لم تفقد قيمتها  الفنية وبريقها كمنتوج حرفي تقليدي , وأصرت على الإحتفاظ بمكانتها ولوج  العالمية من أوسع أبوابها واستطاعت الصمود وبقوة أمام مغريات وأنواع المفروشات  العصرية الجاهزة. ومما يعطيها قيمة فنية راسخة هو ثراء النسيج المتوارث في المنطقة التي هي جزء  منه , حيث تضم 20 لونا تغلب عليها ألوان الأحمر والأسود والأبيض والأصفر  والأخضر , و تُنسَج بخمس تقنيات أربع منها أفقية وواحدة عمودية نسبة إلى وضعية  النسيج . فبالنسبة للتقنية العمودية فإنها تنضوي فيها زرابي " الخملة " و "  لمسيَّح " و " لمصفّي" و " الجر " ولكل منها مقاسات محددة تتراوح بين المتر  ونصف عرضا والخمسة أمتار طولا, علاوة على تعدد تسمياتها انطلاقا من حجمها  وتقنية نسجها , فهناك " القطيفة " و " المطرح " و " الكسا".أما التقنية الأفقية فإنها تقتصر على ما يسمى بـ" الملقوط " الموجه بالأساس  لإنجاز " الفليج " الذي هو مكون رئيسي للخيمة الصحراوية , علما أن هذه التقنية  لم يعرفها الأمازيغ بحكم أنهم كانوا يسكنون القصور , حسب تأكيد الباحث فيصل  ورنوغي. وإن تحديد المجال الجغرافي لانتشار هذه الزربية العريقة لا يعني عدم الإهتمام  بها في مناطق أخرى من الوطن , إذ ومن أصل 21 نوعا من الزرابي على المستوى  الوطني تتواجد زربية " جبال عمور " في ثماني (8) ولايات معظمها من مناطق  الهضاب العليا. ولم تكتف " مفخرة " سكان الأغواط عموما وآفلو وما جاورها خصوصا بهذا التراث  الحرفي الأصيل بل تجاوز الشغف بها تراب الوطن باعتبارها محل طلب متزايد من  الأجانب , حيث اقتنتها ممثليات ديبلوماسية أجنبية لاستعمالها أفرشة أو معروضات  , كما انتزعت أيضا جوائز دولية من بينها الجائزة الذهبية للنوعية من إسبانيا  سنة 1992 .

 

  • ..فرصة لإبراز الذات وترسيخ قيم التآلف والتضامن  الإجتماعي

وتُجمِعُ حرفيات ممارسات لصناعة الزرابي بالأغواط أن هذا النشاط الذي  يعيش " أزهى عصوره " شكل لهن فرصة مواتية من أجل تفجير طاقاتهن الفنية  والإبداعية الكامنة من جهة ولترسيخ من جهة أخرى قيم التعايش المشترك والتآلف  والتضامن في أوساط المجتمع. وبالموازاة مع ذلك نصبت زربية " جبال عمور " نفسها و"عن جدارة" قطعة أساسية  وضرورية من " الجهاز " , الذي تصطحبه العروسة معها إلى بيت الزوجية , وهو  الأمر الذي يشكل استعادة لموروث شعبي تليد وحماية له من الزوال. ولا يمنع كل  ذلك من تقديمها كذلك في مناسبات أخرى ومنحها على شكل هدايا ترمز لأسمى معاني  الود والإحترام أو استعمالها فراشا أو غطاء للضيف أو العزيز من الأهل والأقارب  والخلان. هذا وتحصي مدينة آفلو (110 كلم شمال الأغواط) لوحدها 12 مُجَمِّعا لما  يُنتَجُ من الزرابي بما يقابله 3.000 حرفي في هذا النشاط وبها حارة لبيع هذه  المنتوجات تقارب مساحتها 300 متر مربع ويرجع تاريخها إلى سنة 1887 , وهي السوق  الفريدة من نوعها وطنيا. وبغرض استقطاب الحرفيات في المجال تم فتح ورشات لهن على مستوى غرفة الصناعات  التقليدية والحرف بعاصمة الولاية فضلا عن وضع تحت تصرفهن مركز الصناعات  التقليدية ببلدية آفلو الذي كلف إنجازه حوالي 27 مليون دج . ويتم إعداد برامج للتكوين المستمر لفائدتهن والتأهيل والإستفادة من الدورات  التكوينية في مجال التسويق وكيفيات التسيير وإنشاء مؤسسات مصغرة , كما أفادت  من جهتها مصالح مديرية السياحة والصناعة التقليدية بالولاية. ويتطلع القائمون على القطاع إلى إيجاد مركز للدمغ من منطلق أن المراكز  المعتمدة حاليا بعدد من الولايات لا تواكب تقنيات وقياسات الزربية المذكورة ,  إلى جانب الحاجة إلى الدمغ لضمان تصديرها بصفة قانونية ورسمية. كما يسعى القطاع إلى إدراج هذا التخصص الحرفي ضمن مدونات التكوين والتعليم  المهنيين لتلاؤمه والخصوصيات المحلية التي تستجيب لسوق الشغل وللإرتقاء به في  إطار الإتفاقيات القطاعية. وتشكل زربية " جبال عمور" وما تحمله من رصيد هائل من التراث المادي واللامادي  المتراكم نموذجا راقيا للتجانس الحضاري والتعايش الثقافي بين مختلف أجيال  المجتمع المتعاقبة .

 

عدد القراءات 430 مرة | قراءات اليوم 2 مرة

الإشتراك في تعليقات نظام RSS التعليقات (0 منشور):

أضف تعليقك comment

  • Bold
  • Italic
  • Underline
  • Quote

من فضلك أدخل الكود الذي تراه في الصورة:

جديد الأخبار
image

هل قرار اعلان حالة شغور منصب بوحجة قانوني ؟

في ظل غموض تام حول قانونيـــــــــــــــــــة الإجراء و تأزم الوضع مكتب البرلمان يعلن حالة شغور منصب بوحجة هذا ما تمخض عن الاجتماع غير العادي لمكتب
image

ماكرون : ” 17 أكتوبر 1961 كان يوم قمع ضد المتظاهرين الجزائريين”

قال الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، إنّ 17 أكتوبر عام 1961  كان “يوم للقمع العنيف ضد المتظاهرين الجزائريين”. وقال ماكرون إن الجمهورية الفرنسية، يجب أن تواجه الماضي
image

حجز 664 قارورة خمر وأسلحة نارية بدون رخصة بتيارت

 تمكنت الفرق الاقليمية للدرك الوطني التابعة للمجموعة الإقليمية للدرك الوطني بتيارت بحر الأسبوع الماضي من حجز  664 قارورة خمر من مختلف الأنواع ، حيث بلغت قيمة المحجوزات  180170 دج . وقال بيان
image

الأمم متحدة: الجزائر تدعو إلى وضع حد لحالات الاستعمار المتبقية

دعت الجزائر, أمس الثلاثاء في نيويورك "إلى وضع حد لحالات الاستعمارية المتبقية", معتبرة أن تصفية الاستعمار لا يجب ان تكون محل "تفسيرات مغلوطة او نقاش
image

إحباط محاولة تهريب 17500أورو بمطار هواري بومدين

تمكنت شرطة الحدود  بمطار هواري بومدين الدولي, في عمليتين متفرقتين, من إحباط محاولة تهريب أزيد من 170 ألف أورو كانت بحوزة شخصين أثناء محاولتهما مغادرة التراب الوطني
image

المؤسسة الوطنية للنشر والإشهار تسجل مشاركتها بصالون الكتاب

كشفت المؤسسة الوطنية للنشر والإشهار ، عن مجموعة مؤلفاتها التي ستشارك بها في الطبعة الثالثة و العشرين للصالون الدولي للكتاب، و التي تتجاوز في مجملها
image

مهرجان الجزائر الثقافي الدولي العاشر للموسيقى السيمفونية: سهرة أوروبية مغاربية مع النمسا وإيطاليا وتونس

نشطت مجموعات موسيقية من النمسا وإيطاليا وتونس مساء أول أمس بأوبرا الجزائر "بوعلام بسايح" بالعاصمة حفلا كلاسيكيا  ساهرا في رابع أيام مهرجان الجزائر الثقافي الدولي
image

للتونسية وفاء طبوبي: صرخة "الأرامل الثلاثة" تمتع جمهور مسرح بجاية

يمثل العرض المسرحي "الأرامل الثلاثة" للمخرجة التونسية وفاء طبوبي التي عرضت مساء أول أمس في إطار المهرجان الدولي  لمسرح بجاية، صرخة إنسانية أمام المنزلقات التي
image

تدمير ثلاثة (03) مخابئ للإرهابيين بكل من البويرة وتيزي وزو وبومرداس

 أوقفت مفرزة للجيش الوطني الشعبي، يوم 16 أكتوبر 2018 عنصر دعم للجماعات الإرهابية بباتنة، في حين كشفت ودمرت مفارز أخرى، إثر عمليات بحث وتمشيط بكل
image

نواب الموالاة يواصلون غلق بوابة البرلمان لليوم الثاني

يواصل اليوم الأربعاء نواب الأغلبية غلق الباب الرئيسي لمقر المجلس الشعبي الوطني في انتظار وصول رئيس المجلس  السعيد بوحجة المرتقب ويؤكد أطراف من نواب الأغلبية
قيم هذا المقال
0