أقلام
أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
print نسخة للطباعة Plain text نص بسيط comments التعليقات (0)

فدوى سليمان: فارق الأنثى وتنميط الطائفة


صبحي حديدي

خلال الأسابيع الأولى من انتفاضة الشعب السوري، وابتداءً من 15 آذار (مارس) 2011، قبيل تظاهرات درعا في 18 منه؛ كان سلوك الفنانة والشاعرة السورية فدوى سليمان (1970 ـ 2017) منسجماً، على نحو متطابق تماماً في الواقع، مع سلوك المئات من الناشطات والناشطين الشباب، خلال تظاهرات الجامع الأموي وساحة عرنوس، وأحياء الميدان ومدحت باشا والحريقة. لقد وقّعت على «بيان الحليب» الشهير، وهتفت بالشعارات الأولى، التي تنادي بالسلمية، وتناشد «حماة الديار» بالتوقف عن إطلاق النار، وتعلن أنّ الشعب السوري واحد، وتطالب بالحرية والكرامة؛ قبل أن يرتفع الشعار الحاسم، والفارق: «الشعب يريد إسقاط النظام». كان ثمة فارقان، جوهريان، بين فوارق أخرى، ميّزا شخصية سليمان، وحفنة من الناشطات اللواتي شاطرنها هذين الفارقين: 1) أنها أنثى، امرأة شابة، ممثلة سينما ومسرح، تذهب إلى خيم العزاء التي أقيمت لبواكير شهداء الحراك السلمي، في أحياء وبلدات ذات طابع محافظ، مثل برزة والقابون، وفي بلدات دوما وزملكا؛ و2) أنها ولدت في بيئة علوية، وبالتالي كان حضورها هذا يحمل دلالات وطنية، سياسية وأخلاقية، عابرة للمألوف، خاصة حين اختارت التوجّه خارج دمشق إلى مناطق في محافظة درعا، ثمّ انتقلت إلى حمص، وإلى قلب التظاهرات (ذات الطابع السنّي الغالب). الفارق الأوّل كان يحيل إلى إشكالية جديدة، أو لعلها طارئة، على الأقلّ بعد ثمانينيات القرن الماضي؛ يخلقها حضور امرأة سافرة، (دون استفزاز، إذْ حدث أنّ سليمان تعمدت وضع غطاء الرأس، احتراماً للمشاعر العامة خلال العزاءات)، في أزمنة شهدت لجوء غالبية ساحقة من النساء، بنات الطائفة السنّية غالباً، نحو الحجاب. تلك النقلة لم تصنعها أسباب دينية، إذْ توفرت نسبة ملموسة من المحجبات غير المتدينات بالضرورة، بقدر ما كانت ردّ فعل احتجاجياً على واقعة شهيرة، فاشية تماماً، شهدتها العاصمة أواخر أيلول (سبتمبر) 1980، حين أمر رفعت الأسد مجموعة من «المظليات» بالنزول إلى شوارع دمشق ونزع الحجاب عن كلّ مَنْ ترتديه، طفلة كانت أم شابة أم امرأة أم مسنّة. يومها اضطر حافظ الأسد إلى الاعتذار علانية، ولكن… خلال حفل تخريج «المظليات» المجرمات أنفسهنّ! وليس الأمر أنّ المرأة كانت غائبة عن حراك الاحتجاج، أو عن العمل السياسي التنظيمي المعارض إجمالاً، إذْ كان العكس هو الصحيح في الواقع؛ ولكن ليس ضمن نطاق الأحياء أو البلدات ذات الطابع المحافظ، خاصة حين كانت مجموعة «القبيسيات» قد نجحت في إحداث اختراقات خطيرة في قلب مجتمعات دمشق العاصمة وريفها، بمساندة من السلطة والجهاز الديني والافتائي المنضوي تحت إمرتها. وليس، أيضاً، ضمن سياقات بالغة الخصوصية، مثل خيم العزاء، التي أخذت تُقام في مناخات عالية الاحتقان؛ لا تنطوي معاييرها على مناهضة النظام، أو التعاطف مع الحراك الشعبي، أو ملاقاة الخطاب الإسلامي المعارض المتكتم، فحسب؛ بل، كذلك، حول سلسلة من المواضعات الاجتماعية، وبينها مشاركة المرأة في العمل السياسي العامّ، العلني الذي ينتهك المألوف، أو ذاك الذي يقتحم مجالس عزاء الرجال. بذلك فإنّ صبايا الانتفاضة، ونساءها، كنّ نماذج طارئة، إذا لم تكن جديدة، على مشهد اجتماعي سوري معاصر، شبه ساكن، أو غير قلق، غير متمرد؛ لكنه بات يحفل بمتغيرات شتى، متسارعة ومتعاظمة. وكان لافتاً، وذا دلالة عظيمة، أنّ السطوح الأكثر محافظة في المجتمع السوري أخذت تتقبل هذا الطارئ، وترحب به؛ ليس دون استقباله أولاً في صيغة إشكالية مرتبطة بما استقرت عليه المواضعات، طيلة أربعة عقود من عمر «الحركة التصحيحية». الفارق الثاني كان يحيل إلى إشكالية من طراز آخر، لكنها لم تكن منفصلة تماماً عن الإشكالية الأولى؛ إذْ أنّ حضور امرأة تتحدّر من الطائفة العلوية كان يظهّر، أكثر، أنماط العسر في استقبالها تحت خيمة العزاء، ثمّ الحراك الشعبي الأعرض في المناطق ذات الصفة المحافظة، استطراداً. صحيح أنّ الأجواء، خلال الأشهر الأولى الأبكر من عمر الانتفاضة، كانت قد اتسمت بالتشديد على الوحدة الوطنية، والنأي عن التأويل الطائفي للحراك الشعبي، واتهام النظام بافتعال التأجيج الطائفي (ويُذكر، هنا، أنّ سليمان كانت في قلب مبادرة لافتة لزرع أشجار الزيتون الساحلية في ريف دمشق ودرعا). ولكن من الصحيح، أيضاً، أنّ نجاح النظام في استقطاب غالبية عظمى من أبناء الطائفة العلوية في ما صُوّر كـ«معركة وجود» للطائفة قبل النظام؛ وكذلك فشل المعارضة السورية، التي منحت ذاتها امتياز تمثيل الانتفاضة، في تفكيك ستراتيجيات التطييف التي اتبعها النظام، وتزويد الشارع الشعبي في المناطق العلوية بضمانات أكثر مدعاة للطمأنينة، فما بالك بالاستقطاب المضادّ النظام… كلّ هذا كان يضع أمثال سليمان تحت محكّ مساءلة إشكالية، صامتة تارة ومعلنة طوراً، مسبقة الأحكام، تنميطية، غاشمة، وعشوائية أيضاً. خلال ذلك الطور، كان معارض/ رمز كبير مثل رياض الترك يقول (في حوار مع محمد علي الأتاسي، نشرته «القدس العربي»): «ليس علينا إلا الصبر والتفاؤل في أنّ غالبية إخواننا العلويين سيدخلون الثورة عاجلاً أو آجلاً، رغم محاولات النظام المستميتة لتجنيدهم من حوله، وربطهم به من خلال شبكة من المصالح والولاءات (…) علينا أن نعي أن خدمة أهداف النظام، وهي أيضاً خيانة للثورة، تكون بتعميم منطق طائفي يرى في الثورة السورية صراعاً سنياً ـ علوياً، ويقوم على إلغاء طرف للطرف الآخر. من هنا علينا أن نكون غاية في اليقظة والحذر من الوقوع في مطبات الطائفية، مهما قسا النظام ونكل بالمواطنين، ومهما خرج الناس العاديون عن طورهم وانزلقوا في مهاوي الطائفية». لكنّ هذا كان، على الأرض في وجدان غالبية أخرى من أبناء السنّة، وكذلك في برامج وممارسات مؤسسات «المعارضة» الرسمية، خطاب الأقلية؛ إذا شاء المرء أن ينصف مشهد الواقع يومذاك، خاصة بعد أن مضى النظام نحو الخيارات العنفية الفاشية القصوى، وجُرّت شرائح في الحراك الشعبي نحو التسلّح، وابتدأ صعود التنظيمات الجهادية والإسلامية المتشددة. بهذا المعنى يُفهم مآلان لاحقان في مصائر سليمان، الأنثى، بنت المجتمع المدني، الفنانة، الناشطة… ولكن، المعارضة المتحدرة من الطائفة العلوية، شاءت ذلك (كما لم تفعل)، أم أبت (كما فعلت مراراً): الأوّل تمثّل في افتراقها، خلال تواجدها في قلب تظاهرات حمص، عن الخطّ الذي انتهج التسلّح؛ والثاني اتخذ صفة مأساوية، حين لجأ الغلاة إلى تخوينها، ليس على خلفية تشكيكها في التسلّح، بل لأنها… ولدت علوية! هكذا، ببساطة حمقاء، تعسفية، لاوطنية! ومع ذلك، كانت سليمان (في حوار مع سارة عبد الحي) ترى التالي في عبد الباسط الساروت، الأيقونة مثلها، الذي انحاز مكرهاً إلى خيار التسلّح: «الساروت وعدد كبير من الشباب السوريين الذين بدأوا سلميين، هم ضحايا النظام الذي أمعن في القتل والتعذيب والحصار، وضحايا حقيقيين لغياب المشروع السياسي البديل عن النظام، هم ضحايا إيمانهم بالمجلس الوطني، فقد علقوا آمالاً كبيرة على وعود المجلس الذي كان غير قادر على تحقيقها وغير قادر على بلورة مشروع سياسي ينقذ سوريا». وبين فارق الأنثى وتنميط الطائفة، يظلّ مشروعاً إدراج الراحلة فدوى سليمان في تلك القاعدة التي استنها آل الأسد: أنّ المعارضين من بنات وأبناء الطائفة العلوية كانوا في صدارة معتقلي، وشهداء، مختلف التيارات اليسارية والديمقراطية؛ وكان النظام يُفرد لهم عقوبات مضاعفة، لأنّ خروجهم (على ما يعتبره النظام «إجماع» الطائفة لصالحه) بدا في ناظر السلطة «خيانة»… عظمى، أحياناً. ما خلا أنّ العقاب لا يأتي من النظام وحده، بل من ذوي القربى، أيضاً!

عدد القراءات 290 مرة | قراءات اليوم 1 مرة

الإشتراك في تعليقات نظام RSS التعليقات (0 منشور):

أضف تعليقك comment

  • Bold
  • Italic
  • Underline
  • Quote

من فضلك أدخل الكود الذي تراه في الصورة:

جديد الأخبار
image

الوكالات السياحية مطالبة بالتماشي مع النظام الجديد والا يسحب منها الاعتماد

قرابة 400 وكالة سياحة و أسفار من أصل 750 وكالة التي تضمها ولاية الجزائر استجابت لمقتضيات المرسوم الجديد المتعلق بالتصنيف بها حسبما أكده اليوم الأحد
image

تسليم 2105 وحدة سكنية من صيغة العمومي الإيجاري لفائدة مستحقيها بباتنة

شرعت مصالح ديوان الترقية والتسيير العقاري بباتنة اليوم الأحد في تسليم مفاتيح 2105 وحدة سكنية من صيغة العمومي الإيجاري لفائدة مستحقيها بعاصمة الولاية حسب ما
image

بدوي يشيد "بالاحترافية الكبيرة" التي اكتسبتها الشرطة الجزائرية

اشاد وزير الداخلية والجماعات المحلية والتهيئة العمرانية، نور الدين بدوي، هذا الأحد بالدار البيضاء الجزائر العاصمة "بالاحترافية الكبيرة" التي اكتسبتها الشرطة الجزائرية، معربا عن قناعته
image

وفاة 5 أشخاص وإصابة 10 آخرين بجروح خلال 24 ساعة

لقي 5 أشخاص مصرعهم وأصيب 10 آخرون بجروح  متفاوتة الخطورة في 6 حوادث مرور سجلت خلال 24 ساعة الأخيرة على مستوى القطر  الوطني, حسب ما
image

باتنة: انطلاق تظاهرة ليالي صيف باتنة في أجواء بهيجة

انطلقت سهرة أمس السبت بمسرح الهواء الطلق بالمركب الثقافي والرياضي بحي كشيدة بمدينة باتنة تظاهرة ليالي صيف باتنة في أجواء بهيجة وسط حضور مكثف للعائلات.
image

ضبط أربعة عشر مهربا بكل من عين قزام وبرج باجي مختار

 ضبطت مفارز للجيش الوطني الشعبي، يوم 21 جويلية 2018، بكل من عين قزام وبرج باجي مختار ، أربعة عشر (14) مهربا وضبطت مركبتين (02) رباعيتي الدفع
image

وفاة المجاهد العقيد "أحمد بن شريف" بعد دخوله في غيبوبة

 إنتقل العقيد المجاهد أحمد بن  شريف مساء أمس السبت إلى رحمة الله  عن عمر ناهز 91 عاما, حسب ما علم من عائلته. وقد تعرض المرحوم في
image

الأمين العام للاتحاد البرلماني العربي فايز الشوابكة-يقرا البيان الختامي

البيان الختامي الصادر عن الجلسة الطارئة لرؤساء المجالس والبرلمانات العربية، ضمن الدورة الثامنة والعشرين الاستثنائية للاتحاد البرلماني العربي، ضرورة العمل من أجل إيجاد إطار دولي
image

تصعيد اسرائلي خطير بالارض المحتلة ورؤساء البرلمانات العرب في مؤتمر استثنائي بالقاهرة

كالعادة وكما الفنا واعتدنا افتتحت اليوم السبت بالقاهرة, أشغال المؤتمر الاستثنائي لرؤساء البرلمانات والمجالس النيابية للاتحاد البرلماني العربي هؤلاء جميعا  شاركوا في بحث القضية الفلسطينية,
image

مرسوم تنفيذي يحدد قيمة دمغة المحاماة وكيفية تحصيلها

صدر بالعدد الاخير للجريدة الرسمية, مرسوم تنفيذي يحدد قيمة دمغة المحاماة وكيفيات تحصيلها. و"يتم بيع الدمغات الى المحامين بمقرات منظمات المحامين التي تلزم بفتح حساب
قيم هذا المقال
0