أقلام
أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
print نسخة للطباعة Plain text نص بسيط comments التعليقات (0)

أرض التسوية وأرض الصراع


نبيل عمرو

على الساحة الفلسطينية الإسرائيلية المندمجة والمتصارعة بالجملة والتفصيل، تبدو الجهود المبذولة سراً وعلناً لإيجاد حل نهائي للصراع عديمة الجدوى؛ بل إن كل محاولة في هذا الاتجاه تعيد الأمور إلى أسوأ مما كانت عليه. كل المحاولات التي بذلت والتي تورطت فيها إدارات أميركية، وزعماء عالميون، لم تنتبه إلى السبب الحقيقي والوحيد الذي يؤجج الصراع ويحول دون التسويات. كانت محاولات فوقية تعالج أهواء ومصالح وبرامج الأنظمة الحاكمة المتصلة بهذا الصراع، أمّا الناس الذين يتوارثون حقداً وكراهية طيلة عقود، فهم وإن كانوا مادة التسويات، إلا أنهم المستنبت النشط لإنتاج تدميرها. حين بدأت المحاولة الأخيرة المسماة بمحاولة أوسلو في العمل، وجند العالم لإنجاحها قدرات ضوئية، وجاء أقطاب الكون إلى أرض التجربة لدعمها، تبين أن عبوة ناسفة يمكن أن تقوض هذا الجهد بلمح البصر، مثلما يمكن لبيت أن يبنى في مستوطنة أن يفعل الشيء ذاته. كان المبعوثون يأتون إلى أرض الأزمة حاملين خراطيم المياه لإطفاء الحريق، وكان صنّاع المبادرات يجهدون أنفسهم في وضع سيناريوهات للحل، هي في الأساس مستنسخة عن السيناريوهات المدمرة. وحيثما تظن النخب صاحبة القرار أن الطريق فتحت نحو تسوية، كان تفجير آخر في حافلة أو مطعم يدمر كل ما تم التوصل إليه، ويعيد الأمور إلى أسوأ مما كانت عليه. هذا السباق غير المتكافئ بين السيناريوهات الفوقية للحلول، والمبادرات حتى الفردية منها، يفضي دائماً، ليس فقط إلى إعاقة سيناريو الحل؛ بل إلى تعميق عوامل استمرار الصراع وتصعيده، وأكثر ما يثبت هذه الحقيقة ما يجري هذه الأيام على أرض التسوية وأرض الصراع. كل أصحاب القرار في هذا العالم إما ينتظرون صفقة القرن، وإما ينهمكون في التشاور حولها، والاتصالات السرية في هذا المجال تبدو أشد كثافة من العلنية، والمؤتمرات والمنتديات لا تتوقف عن الانعقاد وإصدار التوصيات والنصائح والقرارات، بينما ما يجري على الأرض يعد باستحالة نجاح محاولات التسوية، وهنا لا بد من الاستعانة بقرائن دامغة. الخطب الأربع التي ألقيت في الكنيست، وهي خطب معسكر رئيسي، تظهر فداحة التناقض بين طروحات النافذين في المعسكر الواحد، هذا إذا ما استثنينا خطاب النواب العرب الذي أفسد الاحتفال، وأظهر تعقيداً إضافياً على المشهد الإسرائيلي الأميركي المتحد. وخارج نطاق الكنيست، مجمع الطبقة السياسية الإسرائيلية بأسرها، فإن عملية عسكرية قام بها فلسطينيون قبل أسبوعين في جنين، وقتل فيها مستوطن، واستدرجت رد فعل إسرائيلياً واسع النطاق وقليل الحسم، وما زالت هذه العملية ورد الفعل الإسرائيلي الواسع عليها هي حديث المجتمع الإسرائيلي، وربما باهتمام يفوق كثيراً الاهتمام الشعبي بخطاب نائب الرئيس الأميركي مايك بنس، وما أحاط زيارته من رسائل ورمزيات. وساعة كتابة هذه المقالة نسيت إسرائيل خطاب بنس، وتناست هدية الاعتراف بالقدس كعاصمة للدولة العبرية، لتنشغل بمعركة احتدمت بين الصبية الفلسطينية عهد التميمي وجهاز الدفاع الإسرائيلي، وعلى رأسه أفيغدور ليبرمان. لقد تغنّى فنان إسرائيلي ببطولة الصبية الفلسطينية، وأذيعت أغنيته من راديو الجيش الذي هو أحد أهم المنابر الإعلامية في إسرائيل. ثارت حفيظة وزير الدفاع، وأصدر أمراً للإذاعة بحرمان الفنان صاحب أغنية عهد من الأثير الإسرائيلي. لم تتوقف الأمور عند هذا الحد. تحولت القضية إلى أزمة عامة توازت مع فضائح نتنياهو التي تُبحث في أقسام الشرطة؛ بل وتفوقت عليها، فالمستشار القانوني للحكومة فتح معركة مع ليبرمان، حين اتهمه بتجاوز حدوده، حيث لا صلاحيات له على راديو الجيش، ومضت الأزمة التي تستحق أن تسمى «أزمة عهد»، ككرة الثلج، فارضة نفسها كأزمة رئيسية على المجتمع الإسرائيلي. ونماذج مشابهة كثيرة وقوية التأثير على الحياة العامة في إسرائيل التي يحار أقطابها في فهم الظاهرة الفلسطينية، ويتناقضون في رؤية الحلول لها، ويأسهم من قدرة الـ«F35» على حسم الصراع مع فلسطينيين يملكون قدرة متجددة على رفض الواقع بأقل الإمكانات. هذا ما يجري على أرض الصراع، ومتوهم من يتخيل أن وقائع من هذا النوع يمكن السيطرة عليها أو تفادي مفاجآتها وقدرتها على تدمير المحاولات الفوقية لتحقيق التسويات. العمل على أرض التسوية يثير تساؤلات كثيرة: ما فرصة صفقة القرن في أن تعرض؟ مع تساؤل أصعب: وهل تنجح؟ وعلى أرض التسوية تدور تساؤلات حول أدوار الدول العظمى ومدى فاعليتها، وهذا ما يتصدر نشرات الأخبار، ويفرض كمادة للندوات والمؤتمرات، بينما أرض الصراع تمور بالتفاصيل الأكثر فاعلية من كل سيناريوهات الحل، وتنتج كل ساعة قدرات تفجيرية غير محسوبة، ومن خلال ملامسة للتفاعلات التي تجري على أرض الصراع، يكون واقعياً تماماً الاستنتاج بأن لا حل.

 

عدد القراءات 99 مرة | قراءات اليوم 1 مرة

الإشتراك في تعليقات نظام RSS التعليقات (0 منشور):

أضف تعليقك comment

  • Bold
  • Italic
  • Underline
  • Quote

من فضلك أدخل الكود الذي تراه في الصورة:

جديد الأخبار
image

Ooredooيعرض حلوله و ابتكاراته في الصالون الدولي للسياحة بوهران

يُشاركOoredooفي الطبعة التاسعة للصالون الدولي للسياحة و الأسفار و النقل و التجهيزات الفندقية "SIAHA"، الذي تجري فعالياته من 22 إلى غاية 25 فيفري 2018 بمركز
image

تمار يشرف على توزيع 1342 مسكن بالمدية

اشرف وزير السكن و العمران و المدينة, عبد الوحيد تمار, اليوم السبت بالمدية على توزيع 1.342 مسكن من مختلف الصيغ موزعة عبر عدة بلديات بالولاية.
image

ما لا يقل عن 600.000 مكتتب في صيغة عدل محل تحقيق

يخضع ما لا يقل عن 600.000 مكتتب في صيغة البيع بالإيجار للتحقيق من طرف المصالح المختصة, وفق ما كشف عنه يوم السبت بالمدية وزير السكن
image

شعار الطبعة18 لمارطون الصحراء الغربية "42 كم من الجهود و42 سنة من المنفى"

سيمتد مارطون الصحراء الغربية على طول 42 كم للتذكير ب 42 سنة من المنفى الذي يتعرض له هذا الشعب, حسبما افاد به منظمو هذا الحدث
image

النقابات المشكلة تحت لواء التكتل الناقابي تدعو الى اضراب شامل يوم 4 افريل المقبل

أعلن، اليوم، التكتل النقابي لمختلف القطاعات، الدخول في إضراب وطني شامل جديد يوم 04 أفريل المقبل، مع تنظيم تجمعات جهوية، في ظل ما وصفه بـ “غياب
image

ثلاث ولايات من جنوب الوطن يتوقع ان تشهد امطار ورعود في الساعات القادمة

توقعت نشرية خاصة صادرة عن الديوان الوطني للأرصاد الجوية تساقط أمطار رعدية ابتداء من اليوم في الجنوب. وتتعلق النشرية بجنوب ولايات أدرار وتمنراست حيث يرتقب تساقط
image

الرئيس عبد العزيز بوتفليقة الدولة لن تتخلى عن سياسة الدعم الإجتماعي

أكد رئيس الجمهورية عبد العزيز بوتفليقة في رسالة وجهها بمناسبة إحياء الذكرى المزدوجة لتأميم المحروقات وإنشاء الاتحاد العام للعمال الجزائريين، على مواصلة الدولة الجزائرية لمنهجها
image

الصحراويون يحقيقون "انتصار كبير" بعد قرار المحكمة العليا في جنوب أفريقيا

اعتبر قرار محكمة جنوب افريقيا القاضي بان حمولة  الفوسفات الموجودة على متن سفينة  "ان.ام شيري بلومسوم" المحتجزة من حق الصحراء الغربية يعد "انتصارا كبيرا  بالنسبة
image

الانتخابات الرئاسية المصرية "النجمة" تنافس "الطائرة"

انطلقت اليوم السبت  رسميا حملات الدعاية في الانتخابات الرئاسية المصرية التي يتنافس فيها أمام الرئيس الحالي عبد الفتاح السيسي رئيس حزب الغد موسى مصطفى موسى. وتستمر
image

حركة حماس الفلسطنية تستنكر من تصريح الخارجية السعودية

استنكرت حركة "حماس الفلسطنية اليوم "  تصريح وزير الخارجية السعودي، عادل الجبير، من جراء الوصف  الذي وصف فيه الحركة بالمتطرفة، معتبرة ذلك " حركة "
قيم هذا المقال
0