أقلام
أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
print نسخة للطباعة Plain text نص بسيط comments التعليقات (0)

الوزير لا يدفع فاتورة الكهرباء!


محمد كريشان

 

رئيس حكومة سابق في تونس لم يسدد فواتير كهرباء بيته حتى قطعت عنه الكهرباء وكذلك وزير سابق، وكلاهما من حكومات ما بعد الثورة، هذا ما ذكرته جريدة «الصباح» التونسية في معرض مقال عن الديون الثقيلة التي تعاني منها الشركة الوطنية للكهرباء نتيجة التهرب من دفع الفواتير والتي بلغت زهاء 160 مليون دولار على المواطنين و242 مليون دولار على الدوائر الحكومية والوزارات. وتضيف الصحيفة في عددها أول أمس أن عددا ممن يظهرون في البرامج الحوارية على القنوات التلفزيونية المحلية ليخوضوا في شجون السياسات الحكومية ومواقف الأحزاب ومشاكل البلاد الاقتصادية وأزمات مؤسسات القطاع العام هم من بينهم «المتخلدة بذمتهم ديون كبيرة وفواتير استهلاكهم للكهرباء غير مسددة»!!. الصحيفة هنا تشير في سياق الخبر الواحد إلى ثلاث معضلات كبيرة في بلادنا العربية هي تعامل المواطن مع الدولة في المسائل المالية وكذلك تعامل نفس هذا المواطن وقد صار مسؤولا وأخيرا ذلك البون الذي يفصل بين الأقوال والأفعال لدى شرائح كبيرة من السياسيين والنشطاء. لا يمكن أن أنسى أبدا أنه مع التحاقي بتلفزيون «البي بي سي» بلندن عام 1995، كان من بين ما قيل لنا بإلحاح يشبه التحذير بأن عقوبة التدخين في بناية التلفزيون الضخمة الواقعة في «وايت سيتي» هي الفصل من العمل وأن عدم دفع معلوم رخصة التلفزيون السنوية يعتبر أمرا معيبا. قيل لنا وقتها إن إطلاق صفارات الإنذار في البناية نتيجة التدخين ومن ثم حضور سيارات الإطفاء وإجلاء العاملين من العمارة وتوقف العمل لفترة يكلف المؤسسة ما لا يقل عن مائتي ألف جنيه إسترليني وبالتالي فالموظف الذي يتسبب لمؤسسته في خسارة بهذا الحجم يجب ألا يبقى دقيقة واحدة فيها. أما معلوم رخصة التلفزيون فهو المبلغ القار الذي يدفعه كل مواطن يملك جهاز تلفزيون للحكومة حتى تستطيع من هذا المال العام تمويل ميزانية «البي بي سي» فكيف لمن يعمل في نفس المؤسسة ويتلكأ في دفع ما هو مطلوب من كل مواطن عادي خارجها؟!!. تذكرت كذلك بالمناسبة «مانا سالين» تلك الوزيرة السويدية التي اضطرت قبل زهاء العامين إلى تقديم استقالتها بعد أن أدانها القضاء بملء خزان سيارتها بالبنزين على حساب الدولة باستعمال بطاقة بنكية حكومية ممنوحة لها فقط لنفقاتها الرسمية في صلب الوزارة. ورغم أن الوزيرة شرحت بأنها إنما فعلت ذلك لمرة واحدة فقط لأنها نسيت بطاقتها الشخصية في البيت وبأنها قامت في اليوم الموالي مباشرة بإرجاع الستين دولارا إلى حساب البطاقة الحكومية، إلا أن القضاء اعتبر ذلك سوء استخدام للمال العام مما اضطرها في النهاية إلى تقديم استقالتها. إن المواطن الذي ينشأ على اعتبار دولته عدوا يجوز نهبه، هو هذا المواطن الذي لا يريد دفع فاتورة الكهرباء أو الماء، رغم أن هناك فعلا أناسا تحول ظروفهم المادية القاهرة دون ذلك، وهو نفس المواطن الذي لا يدفع المعاليم والرسوم البلدية رغم شكواه الدائمة من تدهور الخدمات العامة التي تقوم بها كالنظافة والصيانة وغيرها، وهو نفسه كذلك الذي لا يدفع الضرائب أو يتلاعب بها دون أن يناله عقاب. وهنا للأسف يستوي كثيرون رغم مستواهم المادي والتعليمي حتى أنك تجد أن أكثر الناس رفاهية هم أولئك الذين يتنصلون من دفع ما عليهم من ضرائب للدولة أو تراهم يقدمون كشوفات تجعلك تعتقد أنه تجوز عليهم الصدقة. يجري هذا في وقت باتت فيه أغلب دول العالم ترى أن عدم دفع ما عليك للدولة من الكبائر التي تعد فضيحة لأي شخصية عامة. المشكل هنا أن هذا المواطن الذي ينشأ على هذه العقلية التي تتحول مع الأعوام إلى ما يشبه قناعة عامة مفادها أن «الشاطر» هو من يستطيع أن يضحك على الدولة ويبتزها على قدر ما يستطيع وأكثر، هو نفسه الذي عندما يصبح وزيرا يواصل نفس المنهج بل وأسوأ. وعوض أن يصبح هذا المسؤول قدوة لغيره من الناس في هذه المسائل جميعها تراه يتحول، بفعل موقعه الجديد القريب من مركز المال والقرار، إلى ناهب أفضل ومن مسافة قريبة. وفي غياب الشفافية وآلية واضحة لمحاربة الفساد واستغلال النفوذ والتشهير به وبأصحابه، يصبح نجاة هذا المسؤول من المحاسبة بمثابة تشجيع لغيره من المسؤولين على الاستمرار في نفس النهج ناهيك عما يعنيه ذلك بالنسبة للمواطن العادي.  أما أولئك السياسيون والنشطاء الذين ما هم بمواطنين بسطاء عاديين ولا بالمسؤولين والوزراء فذنبهم أكبر لأنهم باعتبارهم «نخبة» فاعلة في التأثير في الرأي العام مدعوون إلى أن يكونوا الصوت المرتفع القادر في نفس الوقت على توعية المواطنين بواجباتهم وتحذير المسؤولين من عدم الالتزام بمقتضيات المسؤولية القانونية والأخلاقية، لا أن يقولوا ما لا يفعلون. إذا استوى الجميع في هذا التقصير المعيب تجاه الدولة فعلى الدنيا السلام!!

عدد القراءات 91 مرة | قراءات اليوم 3 مرة

الإشتراك في تعليقات نظام RSS التعليقات (0 منشور):

أضف تعليقك comment

  • Bold
  • Italic
  • Underline
  • Quote

من فضلك أدخل الكود الذي تراه في الصورة:

جديد الأخبار

عبد الوحيد ،طمــــــــــــــــــار: 66 ألف مكتتب "عدل" سيختارون مواقع سكناتهم

أعلن وزير السكن والمدينة عبد الوحيد تمار، أمس، عن  فتح الموقع الالكتروني لوكالة عدل أمام "مكتتبي 2013" لاختيار المواقع السكنية بداية ديسمبر. وكشف وزير السكن خلال
image

حجار: "لا مشكل في دراسة طلبة المدارس العليا للأساتذة للماستر "

أكد وزير التعليم العالي والبحث العلمي الطاهر حجار،بأن مواصلة طلبة المدارس العليا للأساتذة لدراستهم في مرحلة ما بعد التدرج (ماستر) " لا يشكل مشكلا بالنسبة
image

هامل يجتمع بقادة الشرطة والأمن للشرق الأوسط وشمال إفريقيا

يشارك اللواء عبد الغني هامل المدير العام للأمن الوطني، على رأس وفد هام من إطارات الأمن الوطني، ضمن مجريات أشغال الاجتماع الثاني لقادة الشرطة والأمن
image

كعوان: انتشار "الفيديوهات" دليل على حرية التعبير في الجزائر

أشاد وزير الاتصال جمال كعوان بالإحترافية والموضوعية التي طبعت تغطية وسائل الإعلام للحملة الانتخابية لمحليات 23 نوفمبر الجاري. وجاء ذلك خلال إشرافه،لدى تدشين المقر الجديد للوكالة
image

"السينا" يدعو الجزائريين إلى التوافد على مراكز الاقتراع

دعا مجلس الأمة، أمس، المواطنين إلى أن يجعلوا من الانتخابات المحلية المقررة الخميس القادم "موعداً وطنيا"ً، من خلال توافدهم على مراكز الاقتراع والإدلاء بأصواتهم لاختيار
image

سلطة الضبط تدعو إلى الالتزام الصارم بفترة الصمت الانتخابي

أكدت سلطة ضبط السمعي البصري، أمس، أن التغطية السمعية البصرية للحملة الانتخابية المحلية 23 نوفمبر 2017 جرت في  "ظروف عادية" وأنه لم يتم تسجيل "أي
image

بدوي:جـــاهــزون لمحليـــات الخمــيس المقبــــل

أكد وزير الداخلية والجماعات المحلية ،نور الدين بدوي، أمس، استعداد مصالحه التام للانتخابات المحلية المقرر إجراؤها الخميس المقبل ، واصفا الحملة الانتخابية بـ "الايجابية جدا"،
image

مفرزة للجيش الوطني الشعبي تضبط قنطار و32 من الكيف

 ضبطت مفرزة للجيش الوطني الشعبي، اليوم 20 نوفمبر 2017، بمنطقة جبل عنتر ببشارالناحية العسكرية الثالثة 3، كمية من الكيف المعالج تُقدر بـ (132) كيلوغراما. مرة أخرى
image

بدوي: لا مراجعة لقانون الانتخابات قبل الرئاسيات

كشف وزير الداخلية والجماعات المحلية ،نور الدين بدوي،أمس، أنه ستتم المصادقة على القانون المتعلق بالبلدية والولاية قبل نهاية السداسي الأول لعام 2018، معربا  عن رفضه 
image

الإطاحة بمشتبه فيه باع محلات وهمية بـ500 مليون سنتيم بالعاصمة

عالجت مصالح أمن ولاية الجزائر قضية تكوين جمعية أشرار لغرض الإعداد لجنحة النصب، حيث أوقفت شخصا مشتبها فيه، مع حجز وحدة مركزية لجهاز إعلام آلي
قيم هذا المقال
0