أقلام
أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
print نسخة للطباعة Plain text نص بسيط comments التعليقات (0)

فلسطين… في مواجهة ثلاثية غير مقدسة


عمرو حمزاوي

 

ما يحدث اليوم في فلسطين بالغ الخطورة، ويستدعي العمل الجاد من قبل الشعب الفلسطيني في الضفة الغربية وغزة والفلسطينيين داخل حدود 1948 لإطلاق انتفاضة جديدة تحمي ما تبقى من الأرض والمقدسات. فإجراءات التهويد المستمرة في القدس، والاعتداءات المتكررة على المسجد الأقصى، والتصاعد الجنوني للنشاط الاستيطاني في القدس والضفة، واستمرار حصار الموت على قطاع غزة تثبت مجتمعة استحالة التسوية التفاوضية مع حكومة اليمين الإسرائيلية. بغض النظر عن انتقادات إقليمية ودولية محدودة لجرائمها في القدس ولنشاطها الاستيطاني في الضفة، تبدو الحكومة الإسرائيلية في مواقع «الود المتبادل» مع قوى عربية رئيسية وأبعد ما تكون عن التعرض لمساءلة دولية جادة بشأن أفعالها. وبغض النظر أيضا عن انتقادات اليسار الإسرائيلي لسياسات وممارسات حكومة بنيامين نتنياهو الائتلافية، يبدو رئيس الوزراء اليميني متمتعا بتأييد أغلبية شعبية مستقرة ومستحوذا على دعم المؤسسات العسكرية والاستخباراتية والأمنية القوية. والحقيقة المؤكدة كذلك هي أن سياسات وممارسات حكومة نتنياهو تتسق مع وعوده الانتخابية، وتستند إلى البرامج السياسية المعلنة للأحزاب المؤتلفة في حكومته. فنتنياهو يكرر بانتظام رفضه الالتزام بحل الدولتين، ويعيد بين الفينة والأخرى تفريغه من المضمون بطرح بدائل مثل مفهوم «السلام الاقتصادي مع الأراضي الفلسطينية» والذي ينفي عمليا حق الشعب الفلسطيني المشروع في تقرير المصير وتأسيس دولته المستقلة، أو كحديث حكومته المتواتر عن «الوطن البديل للفلسطينيين» إن بالترويج لاتحاد كونفيدرالي مع الأردن أو لترحيل الفلسطينيين من الضفة الغربية وتوطينهم بين الضفة الشرقية للأردن وسيناء المصرية. يكرر نتنياهو أيضا رفضه الالتزام بوقف النشاط الاستيطاني، وتمكن بخليط من التعنت إزاء الفلسطينيين واستغلال الأوضاع المتفجرة في الشرق الأوسط من انتزاع «قبول صامت» لنشاطه الاستيطاني الذي لم تعد لا العواصم العربية الرئيسية ولا العالمية الكبرى تتوقف طويلا أمامه. لا جديد، إذا، في سياسات وممارسات حكومة بنيامين نتنياهو في الآونة الأخيرة، بل تطابق كامل مع خطها السياسي العام ومع البرامج المعلنة للأحزاب المؤتلفة بها. ولا جديد أيضا فيما خص العجز الفلسطيني الرسمي والعجز العربي عن ردع اليمين الإسرائيلي، أو فيما خص التخاذل الدولي عن الضغط الفعال لوقف الجرائم في القدس والانتهاكات في الضفة الغربية وحصار الموت على غزة. السؤال الآن هو كيف يواجه الشعب الفلسطيني هذه الثلاثية غير المقدسة، جرائم نتنياهو والعجز العربي والتخاذل الدولي؟ كيف يواجهها، ووضعية الانقسام بين السلطة الفلسطينية وحماس، بين الضفة الغربية وغزة لم يتم بعد تجاوزها؟ كيف يواجهها، وقوى التحرر الفلسطينية، إن في الضفة الغربية وغزة ممثلة في فتح وحماس وفصائل أخرى أو داخل حدود 1948 ممثلة في الأحزاب العربية بإسرائيل، في صراعات لا تنتهي؟ الشعب الفلسطيني، كما ينبئنا التاريخ التعيس للقرن العشرين وتطالعنا الوقائع البائسة للسنوات القليلة التي مرت من القرن الحادي والعشرين، هو أحد أكثر شعوب العالم تعرضا للظلم والاضطهاد ومعاناة من استلاب الحق في تقرير المصير والعيش الكريم منذ تأسست دولة إسرائيل في 1948 ثم باحتلالها للضفة الغربية وقطاع غزة في 1967. ليس لأحد لا في العالم العربي ولا خارجه وحال الشعب الفلسطيني هو على ما هو عليه أن يسلبه، قولا أو فعلا، الحق الأساسي المتبقي له في مقاومة المحتل ودفع ظلم سلطة الاحتلال بكل الاستراتيجيات والوسائل المتاحة. دوما ما شغل تحديد طبيعة الاستراتيجيات ونوعية الوسائل التي يمكن توظيفها لمقاومة المحتل الإسرائيلي موقع القلب في نقاشات قوى التحرر الفلسطينية، ودوما ما حضرت اختلافات جوهرية بشأن النتائج المحتملة لبعض الاستراتيجيات والوسائل وأنتجت الكثير من الاختلافات وبعض الصراعات بين الفلسطينيين. غير أن قوى التحرر الفلسطينية انتقلت، في المجمل وعلى امتداد مراحل تاريخية متعاقبة، من هدف التحرير الكامل لأرض فلسطين التاريخية إلى تبني إنشاء دولة مستقلة على أراضي الضفة الغربية وقطاع غزة، وانتقلت أيضا من اعتماد عقيدة المقاومة المسلحة ضد المحتل إلى تفضيل خيار البحث السلمي عن حلول تفاوضية مع حكومات إسرائيل بوساطات إقليمية ودولية. على الرغم من أخلاقية وإنسانية خيار التفاوض السلمي مقارنة بعقيدة المقاومة المسلحة بدمائها ودمارها، إلا أن تطورات الحالة الفلسطينية منذ وقعت اتفاقيات أوسلو بين إسرائيل ومنظمة التحرير في 1993 وإلى 2017 تدلل دون شك على تهافت خيار التفاوض السلمي. فلا حق لتقرير المصير مورس، ولا دولة أنشئت، ولا مستوطنات أزيلت. بل توالى، من قبل حكومات إسرائيل وفي ظل العجز العربي والتخاذل الدولي، نفي الأول وتراجع احتمالية قيام الثانية وتواصل توسع الثالثة. من جهة أخرى، دفع الشعب الفلسطيني خلال السنوات الماضية ثمنا بشريا وماديا باهظا لتبني حركة حماس وبعض الفصائل المتحالفة معها لخيار المقاومة المسلحة في مواجهة آلة عسكرية إسرائيلية غاشمة ومتفلتة وفي ظل ظروف إقليمية ودولية اجتمعت على التواطؤ ضد الفلسطينيين. لم تردع المقاومة المسلحة حكومات إسرائيل، ولم توقف النشاط الاستيطاني في الضفة الغربية أو ترفع الحصار عن غزة. لذلك ومثلما ينبغي أن تضطلع قوى التحرر في فلسطين بتقييم موضوعي لخيار التفاوض السلمي أو للمتبقي منه، يتعين عليها أيضا إعادة النظر بصورة جوهرية في شروط وكلفة ونتائج المقاومة المسلحة. هذه المفاضلة بين خياريي التفاوض السلمي والمقاومة المسلحة هي جوهر قضية فلسطين اليوم، وحسمها هو شرط ضروري لمواجهة الثلاثية غير المقدسة من جرائم إسرائيل والعجز العربي والتخاذل الدولي. على قوى التحرر الفلسطينية، في السلطة وحماس وبعيدا عنهما كما في سجون الاحتلال وخارجها، أن تشرع فورا في حوار استراتيجي بهدف التوافق على تفضيل ملزم إما للتسوية التفاوضية على مراوغتها أو للمقاومة المسلحة على ثمنها الباهظ ثم توحيد الصف الفلسطيني استنادا للتوافق وبعد استفتاء شعبي حر. دون ذلك، لن تغادر القضية الفلسطينية العادلة مواقع الضعف والاستضعاف الراهنة.

عدد القراءات 168 مرة | قراءات اليوم 2 مرة

الإشتراك في تعليقات نظام RSS التعليقات (0 منشور):

أضف تعليقك comment

  • Bold
  • Italic
  • Underline
  • Quote

من فضلك أدخل الكود الذي تراه في الصورة:

جديد الأخبار
image

ممثلي الشعوب العربية من الرباط يدنون ...

أجمعت البرلمانات العربية، اليوم الخميس بالرباط، على إدانة قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بالاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، محذرين من تداعيات هذا القرار على المنطقة، خصوصا
image

إرهابي يسلم نفسه للسلطات العسكرية بتمنراست

 سّلم إرهابي نفسه، صباح اليوم 14 ديسمبر 2017، للسلطات العسكرية بالناحية العسكرية السادسة بتمنراست. ويتعلق الأمر بالمسمى "أ. كداو"، المدعو"أبو موسى"، الذي كان قد التحق
image

وصول عبد القادر بن صالح رئيس مجلس الأمة الى الرباط

حل عبد القادر بن صالح رئيس مجلس الأمة اليوم  الأربعاء 13 ديسمبر 2017 بالعاصمة المغربية الرباط للمشاركة غدا الخميس 14 ديسمبر،  في قمة رؤساء المجالس
image

رئيس الوزراء الفلسطيني يدعو الأمم المتحدة لإنهاء الاحتلال

دعا رئيس الوزراء الفلسطيني رامي الحمد الله، الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي إلى تحمل مسؤولياتهما التاريخية، وإجبار إسرائيل على إنهاء احتلالها لأراضي دولة فلسطين بما
image

عرقاب: سونلغاز "عازمة"على تحسين نوعية خدمتها وتطوير أنشطتها

صرح الرئيس المدير العام لمجمع سونلغاز، بغرداية أن المؤسسة الوطنية لتوزيع الكهرباء والغاز (سونلغاز) "عازمة"  على تحسين نوعية خدمتها وتطوير أنشطتها من خلال تدعيم شبكة
image

بن صالح يشارك قمة رؤساء المجالس البرلمانية العربية غدا

   بدعوة من رئيس الإتحاد البرلماني العربي، يشارك السيد عبد القادر بن صالح رئيس مجلس الأمة، غدا الخميس 14 ديسمبر 2017، على رأس وفد برلماني
image

توقيف تاجري مخدرات ببرج بوعريريج

في إطار حماية الحدود ومحاربة الجريمة المنظمة، أوقفت مفرزة للجيش الوطني الشعبي يوم 12 ديسمبر 2017 ببرج بوعريريج/ن.ع.5، تاجري (02) مخدرات بحوزتهما و(17,5) كيلوغرام من
image

سامسونغ-الجزائر : اطلاق أول مصنع لتركيب الهواتف الذكية في الجزائر

أعلن المصنع الكوري الجنوبي للهواتف  النقالة  "سامسونغ اليكترونيكس" سهرة أول أمس،  بالجزائر العاصمة عن اطلاق أول مصنع  لتركيب الهواتف الذكية في الجزائر من خلال فرعه

بن غبريط تعلن عن امتحانات الكفاءة للأساتذة

أعلنت وزيرة التربية الوطنية،نورية بن غبريط، عن تنظيم امتحان شهادة الكفاءة المهنية للالتحاق برتبة معلم مدرسة ابتدائية، وتنظيم دورة جديدة للامتحانات المهنية الخاصة بالترقية. وأوضحت الوزيرة
image

"تيسمسيلت" ولاية فلاحية بامتياز

أنهى ،عبد القادر بوعزقي، وزير الفلاحة  والصيد البحري  زيارته إلى  ولاية تيسمسيلت في وقت متأخر من مساء ،أول أمس،بعدما تفقد في أول محطة له  حظيرة
قيم هذا المقال
0