أقلام
أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
print نسخة للطباعة Plain text نص بسيط comments التعليقات (0)

حين يسيل لعاب التاجر: ترامب يعود إلى أفغانستان


صبحي حديدي

 

نقلت الصحافة الأمريكية («نيويورك تايمز» أوّلاً، ثمّ «فورين بوليسي» لاحقاً) أنّ لعاب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب سال إزاء ما نُقل إليه عن ثروات المعادن الهائلة، الدفينة في أرض أفغانستان: هنالك أكثر من ترليون دولار نحاس وفولاذ ومعادن دفينة، كان مايكل سلفر، مدير واحدة من كبريات شركات أمريكا المتخصصة في المعادن والكيميائيات، قد همس في أذن الرئيس؛ وكذلك: نحن نرقد على أكثر من ترليون في الثروة المعدنية، فلماذا لا تطمع بها الشركات الأمريكية بدلاً من الصينية؟ طرح الرئيس الأفغاني أشرف غني سؤاله على ترامب، أثناء قمّة الرياض في أيار (مايو) الماضي. وبالطبع، لم يكذّب ترامب خبراً في هذا الصدد، هو الرئيس/ رجل الأعمال والمال والاستثمار؛ الذي نهض بعض برنامجه الانتخابي على فرض ما يشبه الضريبة الارتجاعية على «حلفاء» أمريكا، لقاء ما أنفقته واشنطن في حروبها هنا وهناك في المنطقة. فاتورة الحرب الأفغانية، مثلاً، ترقى إلى ما يزيد على ترليون دولار، هنا أيضاً؛ كي لا يتذكر المرء (ما لا يكترث ترامب باستذكاره كثيراً ربما) 2400 قتيل في صفوف القوات الأمريكية. وهكذا، قبل أيام، اختار ترامب قاعدة «فورت ماير»، القريبة من مقبرة أرلنغتون حيث يرقد أكثر من 2.200 جندي أمريكي من القتلى في أفغانستان، ليلقي خطاباً أعلن فيه عزمه على زيادة أعداد القوات الأمريكية هناك، التي تعدّ حالياً 8400 جندي. الذريعة المعلَنة لم تكن المعادن النفيسة الدفينة في أرض أفغانستان، بالطبع، بل «الحيلولة دون تحول أفغانستان إلى ملاذ آمن للمتشددين الإسلاميين المصممين على مهاجمة الولايات المتحدة»؛ في عزف مكرور على الأسطوانة العتيقة التي أدارها الرؤساء اسلافه مراراً، منذ جيمي كارتر وحتى باراك أوباما. ففي نهاية المطاف، على صعيد أغراضها العسكرية المعلَنة أوّلاً، هذه الخطة «مجرّد تعديل متواضع في ستراتيجية مركزية يجري العمل بها منذ سنوات، وظلت نتائجها مختلطة النتائج»، كما تستخلص كيللي ماغزمين، المسؤولة السابقة في وزارة الدفاع الأمريكية والعضو السابق في مجلس الأمن القومي الأمريكي. الأسئلة التي تكتنفها كثيرة ومتشابكة، بينها مثلاً: ما الذي تودّ إدارة ترامب إنجازه، حقاً، بعد 16 سنة من التدخل المباشر؟ هل «القاعدة» ما تزال عدوّ أمريكا الأكبر هناك، وإلا مَن سواها، وما التهديد الفعلي؟ وهل الزيادة المحدودة في عدد القوات (قرابة 4000 جندي) ستشكل فارقاً ذا معنى، أم أنّ أمريكا تعود إلى نقطة البدء في التورط؟ كيف تبدو نهاية النزاع، وبالتالي: ما الموقف من طالبان، بعد جولات التفاوض السرية مع إدارات سابقة؟ ثمّ ما موقف حلفاء واشنطن، بصفة عامة، وأولئك الذين يواصلون نشر قوات في أفغانستان بصفة محددة؟ وأخيراً، وليس آخراً بالطبع، ما الثمن العالمي لهذه الخطوة في إطار السياسة الخارجية الأمريكية، وعلى ضوء ما يجري في سوريا والعراق تحديداً؟ لكن البعد العسكري للمسألة برمتها، ومثله الدافع المعلَن حول تمكين الجيش الأفغاني ومنع الجهاديين من العودة إلى الانتشار في أفغانستان؛ لم يكن هو الذي رجّح كفّة التحوّل الأخير في موقف ترامب، بدليل أنه قاوم رغبة جنرالات البنتاغون في الذهاب إلى قمّة الأطلسي حاملاً خطة أمريكية متكاملة بصدد تطوير الموقف العسكري للتحالف هناك. البُعد الاستثماري، من وجهة نظر رجل الأعمال قبل الرئيس، أسال لعاب ترامب حين بادر ستيف بانون (مستشاره الستراتيجي الأبرز، يومذاك، والذي عُزل مؤخراً) إلى وضعه في صورة تقرير نشره إريك برنس على صفحات «وول ستريت جورنال»، يدعو فيه إلى تأسيس «شركة هند شرقية» معاصرة في أفغانستان. وبالفعل، حسب تقرير «فورين بوليسي» المفصل، دُعي برنس إلى البيت الأبيض لكي يشرح تفاصيل خطته؛ بصفته، أيضاً، رجل الأعمال المتخصص في الشركات العابرة للقارات، خاصة في آسيا، ومؤسس «بلاكووتر» وشركات أخرى أقلّ شهرة ولكن ليست أقلّ سطوة ونفوذاً. الشركة الجديدة التي يقترحها سوف تستخدم 5,500 متعاقد ثانوي أمريكي، يعملون مباشرة مع القوات الأفغانية، ضمن خيارات تدريبية مستحدثة، تضمن قيامهم على نحو أفضل بتنفيذ المهام الموكلة إليهم؛ على نقيض من جنود البنتاغون الذين مكثوا هناك منذ 16 سنة، دون إنجاز الكثير، أو حتى استكمال الحدّ الأدنى، كما قال صراحة. وبهذا فإنّ رائحة المال، لدى ترامب التاجر، في طليعة المنصتين إلى برنس، فاحت بقوّة وطفحت على عقيدة راسخة في البنتاغون؛ مفادها أنّ محاربة منظمات مثل «القاعدة» و»الدولة الإسلامية» وشبكة «حقاني»، لا تتمّ عبر وحدات مكافحة الإرهاب وحدها، ولا مفرّ من توظيف الأفواج العسكرية التقليدية أيضاً. وأياً تكن أقدار «شركة الهند الشرقية» المعاصرة، إذا رأت النور قريباً، فإنها أغلب الظنّ ستقف الموقف ذاته الذي كانت فيه جيوش الولايات المتحدة قبل 16 سنة؛ أسوة، أيضاً، بموقف الجيش الأحمر السوفييتي، أواخر كانون الأول (ديسمبر) 1979: ورطة المستنقع الأفغاني، وحروب الطوائف والقبائل، وأمراء هذه الحروب. ذلك لأنّ أفغانستان الراهنة، أو ربما أفغانستان ما بعد حكم الطالبان، لا تبدو مختلفة كثيراً عن أفغانستان ما بعد انسحاب السوفييت في عام 1989؛ فهي، بصرف النظر عن استيهامات «السلطة المركزية»، ما تزال إمارات مبعثرة قائمة على الولاءات الإثنية والقبائلية أكثر من الخطوط الإيديولوجية والتيّارات الحزبية، ولا يضاهي الاضطراب السياسي الشامل سوى الفوضى العسكرية المنطوية على كلّ المخاطر. وسوى الأسئلة المستجدة، من زاوية توقيتاتها فقط في الواقع، فإنّ الأسئلة القديمة لا تكفّ عن إعادة إنتاج نفسها تباعاً، وكأنّ البلد يعيش مرحلة ما بعد انسحاب الاتحاد السوفييتي وإسقاط نظام نجيب الله: أيّ أفغانستان يريد العالم، بعد نظام الطالبان؟ وما دامت معظم المجموعات القبائلية والإثنية قد فشلت في الارتقاء إلى مستوى الحدث ومسؤولياته، فكيف للبلد أن يدرأ مخاطر انقسام الأمر الواقع، وفق خطوط إثنية ومذهبية وقبائلية تُجهز على ما تبقّى من وحدة اجتماعية ــ سياسية في طول البلاد وعرضها؟ وهل ستبادر أية قوّة إقليمية (الباكستان؟ إيران؟ روسيا؟) إلى «لَبنَنة» أفغانستان؟ أو ربما تكريس «عرقَنة» من طراز ممائل؟ وكيف يمكن للانشطار السنّي ــ الشيعي أن يؤثّر على العلاقات الإيرانية ــ الباكستانية خصوصاً؟ وأين ستقف الولايات المتحدة والقوى الغربية عموماً من مسألة تقسيم واقتسام النفوذ الإقليمي، بين روسيا والصين والباكستان وإيران والهند والجمهوريات الإسلامية المجاورة؟ وفي مقابل اللعاب الاستثماري الذي يسيل من فم رئيس القوّة الكونية الأعظم، حيث الاعتبارات العسكرية محض ذرائع تغطّي الواجهة؛ ثمة على الأرض ما يرشق بارود المعادلة العسكرية على الواجهة إياها، على نحو لا يهشّم الزجاج وحده، بل يقوّض الحسابات في الجوهر. هكذا، قبل أقلّ من سنتين، كان سقوط قندوز بمثابة اختتام دراماتيكي لستراتيجية عسكرية طالبانية مضادة؛ اعتمدت على قضم بطء، ولكنه ظلّ منهجياً مضطرداً، لعشرات القرى والتلال والسهوب، على الدروب المفضية إلى شمال البلاد. وكان الأمريكي جيسون ليال، الأخصائي في الشؤون الأفغانية، قد أحال سقوط قندوز إلى اعتبارات ثلاثة: 1) الفساد المحلي، في مستوى الميليشيات القَبَلية، وكذلك عناصر أجهزة الشرطة الذين درّبتهم الولايات المتحدة؛ 2) ضعف الدولة وارتخاء السلطة المركزية، بحيث آل الحكم الفعلي إلى أمراء الحرب؛ و3) الصراعات بين زعماء القبائل والمجموعات الإثنية المختلفة، خاصة بين البشتون/ الطاجيك، والأوزبيك. وبذلك فإنّ من حقّ المرء أن يقيس مشروع «الهند الشرقية»، الذي يراود ترامب، على مثال سقوط قندوز؛ وما بُدّل الجوهر، هناك أو هنا، تبديلاً كبيراً!

 

عدد القراءات 188 مرة | قراءات اليوم 3 مرة

الإشتراك في تعليقات نظام RSS التعليقات (0 منشور):

أضف تعليقك comment

  • Bold
  • Italic
  • Underline
  • Quote

من فضلك أدخل الكود الذي تراه في الصورة:

جديد الأخبار
image

القضاء على إرهابيين(02) خطيرين بجيجل

إثر كمين محكم قرب بلدية سلمى بن زياد، بدائرة العوانة ولاية جيجل الناحية العسكرية السادسة، قضت مفرزة للجيش الوطني الشعبي صباح اليوم 22 أكتوبر 2017،
image

مفرزة تابعة للجيش الوطني الشعبي، تلقي القبض على الإرهابي الخطير “خ.الشافعي” المكنى “أبو الخطاب”

ألقت، صبيحة اليوم، مفرزة تابعة للجيش الوطني الشعبي، القبض على الإرهابي الخطير “خ.الشافعي” المكنى “أبو الخطاب” بمنطقة أريس في ولاية باتنة.وحسب بيان لوزارة الدفاع، فقد
image

وزير الاتصال الصحافة الالكترونية فرضت نفسها في الوسط الإعلامي

أكد، اليوم، وزير الاتصال جمال كعوان، أن الصحافة الالكترونية فرضت نفسها في الوسط الاعلامي الجزائري.
image

موارد صيدية : ارتفاع الإنتاج سنة 2017

أكد المدير العام للصيد البحري و تربية  المائيات لدى وزارة الفلاحة طه حموش بالجزائر العاصمة أن  إنتاج الموارد الصيدية خلال سنة 2017 يتميز "بالوفرة" مقارنة
image

مختصة في اللغة العربية على رأس المجلس الوطني للبرامج

أشرفت يوم السبت وزيرة التربية الوطنية نورية  بن غبريط، على التنصيب الرسمي للمجلس الوطني للبرامج. و يرأس هذا المجلس أستاذة جامعية مختصة في تعليم اللغة العربية
image

غول: أحزاب "التحالف الرئاسي" ستلتقي هذا الأسبوع

·      نحن حزب مسؤول ومشاركتنا  في الانتخابات لن تكون عشوائية أعلن رئيس حزب تجمع أمل الجزائر "تاج" عمار غول، عن لقاء مرتقب هذا الإثنين يضم أحزاب
image

الطيب لوح: الجزائر لم توصد أبوابها أمام المهاجرين الأفارقة

شدد وزير العدل, حافظ الأختام الطيب لوح بكيغالي (جمهورية رواندا) على أن الجزائر "لم توصد أبوابها" أمام المهاجرين والنازحين نحوها من البلدان الإفريقية, بل "عملت
image

علي حداد رئيس منتدى رؤساء المؤسسات: "تبون مفترس حقيقي"

وصف علي حداد  رئيس منتدى رؤساء المؤسسات ، الوزير الأول السابق عبد المجيد تبون، بـ "المفترس"،  وذلك خلال  كلمته الافتتاحية للجمعية العامة للمنتدى صباح السبت. و
image

"الأرندي" يكشف عن ملامح برنامجه الانتخابي

 يشارك التجمع الوطني الديمقراطي"الأرندي" الذي يتزعمه الوزير الأول ،أحمد أويحيى، في الانتخابات المحلية المقرّرة يوم 23 نوفمبر القادم، بـ 48 قائمة لمرشحيه للمجالس الشعبية الولائية
image

الرئيس يدعو الإعــــــــــــــــــلام لخدمة المصالح العليــــــا للبلاد

  .. ولتفعيل الصندوق العمومي لدعم الصحافة المكتوبة مع مطلع السنة ·      على الحكومة تسريع تأسيس سلطة الضبط للصحافة المكتوبة دعا رئيس الجمهورية ،عبد العزيز بوتفليقة ،أمس، عائلة
قيم هذا المقال
0