أقلام
أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
print نسخة للطباعة Plain text نص بسيط comments التعليقات (0)

لماذا أغضب "غرابيب سود" المتطرفين؟


ممدوح المهيني

في مشهد من مسلسل "غرابيب سود" عن تنظيم داعش المتطرف الذي تعرضه هذه الأيام قناة "أم بي سي"، تخاطب قائدة داعشية طفلة صغيرة تحمل حقيبة عليها صورة الشخصية الكرتونية سندريلا. تقول لها إنه لا ينبغي أن تضع صورة هذه "الكافرة" عارية الكتفين على حقيبتها وتطلب منها أن تطمس وجهها باللون الأسود، وهذا ما تقوم به الطفلة المستسلمة لأوامرها. هذا المشهد من هذا المسلسل المهم يتناول بطريقة فنية ومؤثرة ليس فقط الفظاعات الرهيبة التي قام بها هذا التنظيم وغيره من الجماعات المتشددة، ولكن أيضا الطرق والأساليب التي يتم فيها تمرير أكثر الأفكار سوداوية إلى عقول الأطفال عبر استخدام آليات خطيرة مثل التخويف والتأثيم وتأنيب الضمير وخلق صورة سوداوية ومظلمة في وعي الطفل حول الحياة والعالم ليعيش معزولاً في دائرة ضيقة يتحكم بها المتطرفون. في رأيي أن هذه واحدة من العناصر القوية في المسلسل الذي أنصح الجميع بمشاهدته لأنه لم ينجذب لإغراء مناظر الدماء والرؤوس المقطوعة ولكنه ركز على طبيعة الأفكار المتطرفة وأساليب زرعها وبثها في العقول. هذا هو المهم وهو ما يجب أن يحارب أولاً، لأن الإرهاب هو نتيجة طبيعية ومتوقعة للتطرف. محاربة الإرهاب فقط هو مثل سحب المسدس من يد القاتل. نية القتل ستكون موجودة بداخله وكل ما عليه فعله هو أن يعثر على مسدس آخر ليرتكب جريمته. وذات الأمر مع الإرهابيين الذين لو منعوا من ارتكاب مجازرهم في العراق سيقومون بها في ليبيا. والانتحاري الذي يفشل في تفجير نفسه في الرياض سيجرب حظه في المدينة وحتى قرب المسجد النبوي. وعندما نعيد السؤال بشكل مستمر وكأننا متفاجئين عن سبب ظهور أجيال جديدة من الانتحاريين كانوا رضعاً عندما وقعت أحداث 11 سبتمبر، فإننا نتجاهل حقيقة أنه من المستحيل أن نرى قوافل الانتحاريين المراهقين الذين كان آخرهم الليبي سلمان عبيدي إذا لم تكن هناك بيئة متطرفة حاضنة لهم. الانتحاري لا يفجر نفسه بغرض النزهة أو أنه يهوى قتل الآخرين عبثاً ولكنه متشرّب بفكرة متطرفة حقنها له شخص متطرف آخر بأنه سيقفز في وسط النعيم والملذات بمجرد أن يسحب سلك الحزام الناسف. علّموه أن الحياة مليئة بالآثام والمعاصي وأثقلوا نفسه بالذنوب وفهموه أن العالم الذي تسيطر عليه الحضارة الكافرة متجه للانهيار وأسهل طريقة للخلاص منه بطريقة مشرفة ومفيدة هي قتل أكبر عدد من الضالين. كل ذلك يحدث بثوان معدودة وبعده الخلود النهائي الخالي من كل الآلام الدنيوية. كل هذا الشحن المدروس، ولا يجب أن نستغرب أن تقف في الطابور قوافل المنتحرين الذين يبحثون عن واسطة تجعلهم يتقدمون في الدور على منافسيهم لتحقيق المهمة النبيلة. الانتحاري فهد القباع الذي فجر مسجد الإمام الصادق في الكويت استخرج جوازه واستخدمه لمرة واحدة فقط في رحلة بلا عودة! لا يمكن أن يقوم بهذا العمل شخص إلا إذا كانت فكرة قوية متطرفة تقوده وتسيطر عليه بالكامل. نجح "غرابيب سود" بعرض هذا الجانب ولم يستسلم لكل التفسيرات الواهية التي يتم ترديدها مثل أن داعش صنيعة استخباراتية غربية. المتطرفون والإرهابيون وُجدوا قبل أن تعرف البشرية أي جهاز استخباراتي. وما هو الجهاز الاستخباراتي الذي يحيك هذه المؤامرة السرية الرهيبة ولا يكتشف سرها. وهناك من يتعذر بأن الإرهابيين مهمشون اجتماعيا ووظيفيا ولكن المهمش يصاب بالإحباط والغضب ومن الممكن أن يقتل نفسه فقط، ولكن لماذا يقتل الآخرين؟! ولم نسمع في التاريخ يوما أن قوافل من المهمشين تحولوا لجماعات انتحارية! وإذا صدقنا عذر التهميش، لماذا لا يختار المهمشون من شعوب أخرى أسلوب دهس المارة في الشوارع؟! هذه مجرد أعذار لخلط الأوراق نجح المسلسل في تجنبها ولهذا أثار غضب المتطرفين الذين ينشطون هذه الأيام لتشويهه والافتراء عليه. ولكنها ردة فعل متوقعة لأن العمل يضغط بيده بالضبط على المكان الصحيح وهو الفكر المتطرف.  في المشهد الذي ذكرناه تقوم الطفلة بطمس صورة سندريلا وتشوه جمال الرسمة الجميلة والشخصية المحببة للأطفال ولكنها في الحقيقة تشوه نفسها. هذه اللحظة بالضبط التي تقوم الطفلة بإغلاق عقلها وتلطيخ روحها وطمس عالمها باللون الأسود والانقياد للقائدة المتطرفة التي يمكن أن تكون في أي مكان!

عدد القراءات 439 مرة | قراءات اليوم 1 مرة

الإشتراك في تعليقات نظام RSS التعليقات (0 منشور):

أضف تعليقك comment

  • Bold
  • Italic
  • Underline
  • Quote

من فضلك أدخل الكود الذي تراه في الصورة:

جديد الأخبار
image

مساهل يستقبل عدد من السفراء الجدد

استقبل وزير الشؤون الخارجية, عبد القادر مساهل,  اليوم السبت بالجزائر العاصمة,  كارلوس أولغين, الذي قدم له نسخا من أوراق اعتماده بصفته سفيرا مفوضا فوق العادة
image

حكم قراءة القرآن بدون حجاب

 يرى الفقهاء أنّه لا يُشترَط لقراءة القرآن ارتداء الحجاب الشرعي؛ إذ إنَّ شروط قراءة القرآن الكريم محصورةٌ فقط بالطهارة لمن كان يريد مسَّ المصحف، ويشترط
image

هامل للأسرة الإعلامية :"إنكم عصب الاتصال وشريانه"

نص الرسالة التي وجها اللواء عبد الغني هامل المدير العام للأمن الوطني ،، للأسرة الاعلامية بمناسبة الاحتفال باليوم الوطني للصحافة المصادف لـ22 أكتوبر من كل سنة. جريدة الاتحاد تحصلت على نسخة من الرسالة .
image

الرئيس بوتفليقة يدعو الحكومة إلى تسريع تأسيس سلطة الضبط للصحافة المكتوبة

دعا رئيس الجمهورية, عبد العزيز بوتفليقة, يوم السبت الحكومة إلى تسريع تأسيس سلطة الضبط للصحافة المكتوبة و إلى السهر على تفعيل هذه الهيئة و سلطة ضبط السمعي البصري أيضا.
image

تدمير مخبأ للإرهابيين ببومرداس

في إطار محاربة الإرهاب وخلال عملية بحث وتمشيط ببومرداس الناحية العسكرية الثانية ، كشفت ودمرت مفرزة للجيش الوطني الشعبي، يوم 20 أكتوبر 2017، مخبأ للإرهابيين.  وفي
image

لإعادة بعث السياسة الثقافية: برمجة مجلس وزاري مشترك.. قريبا

كشف الأمين العام لوزارة الثقافة إسماعيل أولبصير، أول أمس، بالجلفة عن برمجة في الأفق القريب لمجلس وزاري مشترك لإعادة بعث السياسة الثقافية. وفي تصريح له أكد
image

مطالبة اللبنانيين بترحيل اللاجئين السوريين ودعم المتسبب الأول في قضيتهم… ضرورة وطنية أم انفصام سياسي؟

تتصدر بعض الجهات السياسية في لبنان خوض مواجهات ضد اللاجئين السوريين، وصلت في بعض الأحيان الى «حدود العنصرية» وخاصة تلك الدعوات التي تكرس خطاب الكراهية
image

الاستثمار في قطاع المحروقات: ضرورة التكيف مع محيط متعدد الأبعاد

أكد رئيس مجلس مدير الوكالة الوطنية لتثمين موارد المحروقات (ألنافت) أرزقي حسين بالجزائر أنه فضلا عن المراجعة المرتقبة لقانون المحروقات فإن بعث الاستثمارات في هذا
image

عبد القادر مساهل: الجزائر مستعدة لتقديم المساعدة و تقاسم تجربتها مع الاتحاد الأوروبي

أعرب وزير الشؤون الخارجية عبد القادر مساهل  يوم الخميس ببروكسل عن "استعداد" الجزائر لتقديم المساعدة و تقاسم تجربتها  مع الاتحاد الأوروبي في مجال مكافحة الإرهاب
image

بدوي يوقع على سجل التعازي بمقر إقامة السفارة

وقع  وزير الداخلية والجماعات المحلية  والتهيئة العمرانية, نور الدين بدوي, يوم الخميس باسم رئيس الجمهورية عبد  العزيز بوتفليقة, على سجل التعازي بمقر إقامة سفارة البرتغال
قيم هذا المقال
0