أقلام
أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
print نسخة للطباعة Plain text نص بسيط comments التعليقات (0)

الآخر شريكاً لا عدواً


غسان شربل

 

ماذا نفعل بالآخر الذي لا يشبهنا؟ الآخر المقيم وراء البحار أو في الحي المجاور أو المبنى نفسه. الآخر الوافد من تاريخ مغاير. يشرب من ينابيع غير ينابيعنا. وينام على تراث مختلف. ويقرأ في كتب أخرى. هل نستطيع التعايش معه في هذه القرية الكونية الصاخبة؟ وهل اختلافه يشكل تهديداً دائماً لنا؟ وهل الصدام به حتمي لأن المكان لا يتسع إلا للون واحد؟ وهل يجب أن تفصلنا عنه جدران الكراهية والحذر وخنادق التحسب لما هو أدهى؟ ماذا نفعل بالآخر المختلف؟ هل نقطع الشرايين التي تربطنا به؟ وهل نحمي هويتنا بالانكفاء إلى العزلة؟ وهل نستسلم لدعاة الخوف فنمهد لحروب حضارات وأديان وثقافات؟ وهل يؤثر المعتدلون السلامة فينسحبوا تاركين للمتطرفين فرصة الاستيلاء على الساحات والمنابر والعقول واقتياد الشبان إلى النحر والانتحار؟ في العقدين الأخيرين، كانت هذه الأسئلة مطروحة بإلحاح في عواصم العالم العربي والإسلامي. طُرحت غداة هجمات 11 سبتمبر (أيلول). وطُرحت مجدداً بعد استيلاء «داعش» على الموصل. وتُطرح كلما أدمى إرهابي مدينة قريبة أو بعيدة. وأظهرت التجارب والأيام أن العالم العربي والإسلامي هو العدو الأول للإرهابيين والهدف الأول لهم، وأن استهداف الغرب كان يرمي إلى قطع صلات يعتقدون أنها تساهم في مساعدة الدول العربية والإسلامية على الوقوف في وجه العاصفة. العالم العربي والإسلامي هو الهدف الأول للإرهابيين. لم تلحق «القاعدة» ضرراً بالغرب بالقدر الذي ألحقته ببلداننا. والأمر نفسه بالنسبة إلى «داعش». كان الغرض من إشعال خطوط التماس مع الغرب تسهيل التجنيد والاستقطاب والاستدراج للاستيلاء على العالم العربي والإسلامي. ولا مبالغة في القول إننا في خضم حرب عالمية أطلقها الإرهاب المتستر بالدين. التفجيرات الدموية الجوالة رسخت هذا الانطباع. وجعلت الآخر يخاف أن يكون مستهدفاً، ليس فقط في أمنه واستقراره، بل أيضاً في حقه أن يكون مختلفاً. ثم أظهرت التجارب أن استهداف البرجين أدمى العالم العربي أكثر مما أدمى نيويورك، وأن ذبح الرهائن الغربيين أدمى العالم الإسلامي أكثر مما أدمى بلدان الرهائن. وجدت الدول العربية والإسلامية نفسها محرجة. وجدت نفسها أحياناً متهمة. مصانع الإرهابيين تقيم في أرضها. وممارساتهم تلحق الأذى بأمنها واستقرارها ومصالحها. مقاتلون جوالون ينتهكون كل شيء. الحدود الدولية. ومبادئ التعايش. وجوهر التسامح الكامن في الأديان. ووجدت هذه الدول صعوبة في شرح نفسها. لدى الآخر أيضاً قوى تحاول الاصطياد في المشهد الصعب. كان لا بد من اتخاذ قرارات جريئة. قرارات صعبة. كان لا بد من مغادرة المنطقة الرمادية. وتسمية الأشياء بأسمائها. كان لا بد من الانتقال من مرحلة الحرب على الإرهاب إلى مرحلة الحرب على التطرف نفسه. فثقافة التطرف هي الولادة التي تنجب المقاتلين الجوالين والانتحاريين. وكان الأمر يحتاج إلى دولة تمتلك شرعية عميقة على الصعيدين العربي والإسلامي لتطلق الحرب على التطرف نفسه. وتحوّله بنداً ثابتاً في سياستيها الداخلية والخارجية. وممارسة يومية في المجتمع. والصحافي المتابع لقمم الرياض يدرك سريعاً أن المعركة ضد التطرف تشكل جوهر هذه القمم. الحرب على التطرف وتعميق الجسور مع الآخر وتحويله شريكاً في الاستقرار والازدهار جوهر القمة السعودية - الأميركية. والأمر نفسه بالنسبة إلى القمة الخليجية - الأميركية. وكان الأمر شديد الوضوح في القمة العربية - الإسلامية - الأميركية. ليس بسيطاً أن يتوافد زعماء العالم العربي والإسلامي للقاء الرئيس دونالد ترمب على أرض الرياض. المشهد غير مسبوق. للصورة معانٍ كثيرة. للمكان مغازيه ورسائله. كان مشهد ترمب مخاطباً الزعماء العرب والمسلمين استثنائياً فعلاً. كان مقدّراً أن يكون عهد هذا الرجل عهد الاضطراب الكبير في العلاقة مع العالم العربي والإسلامي. ثمة من التقط اللحظة المناسبة وتحرك. أعدّ الأوراق والأرقام والحجج وتقدم في الوقت المناسب. وهكذا انفتح الباب لانعقاد قمم الرياض. الرجل الذي كان يخاطب الزعماء الحاضرين يأتي من تراث آخر. يشرب من ينابيع أخرى. لا فائدة نجنيها من تكريسه عدواً. ذلك يوقع بلداننا في فخ أهل التطرف. لا ضرورة أن يكون التطابق حاضراً. للدول مصالح وحسابات وقراءات. المهم بلورة مساحات مشتركة للقاء. بلداننا تحتاج إلى ما يملكه هذا الآخر من تقدم علمي وتكنولوجي لتلحق بالعصر وتنقذ اقتصاداتها. نحتاج أيضاً إلى شراكة مصالح تشجّعه على دور أكبر في تسويات عادلة لقضايا منطقتنا وبينها النزاع الفلسطيني - الإسرائيلي. يمكن القول إن الجسر الأول هو الحرب على التطرف. وانعقاد قمم الرياض أكد أن هذا القرار اُتخذ فعلاً وأن الحرب قد بدأت. من هذه الشراكة التي تبدد المخاوف والشكوك، يمكن الانطلاق إلى بناء علاقات اقتصادية وسياسية ودفاعية. ودائماً بحسابات المصالح، فالدول ليست جمعيات خيرية.  يأتي وقت يتحتم فيه عليك أن تختار. هذا يصدق على الأفراد والدول. للانتماء إلى المستقبل ثمن لا بد من دفعه. لا تستطيع دخول المستقبل وحدك. لا بدّ من شركاء. لا بدّ من الآخر. رسائل قمم الرياض بالغة الدلالات.

عدد القراءات 392 مرة | قراءات اليوم 1 مرة

الإشتراك في تعليقات نظام RSS التعليقات (0 منشور):

أضف تعليقك comment

  • Bold
  • Italic
  • Underline
  • Quote

من فضلك أدخل الكود الذي تراه في الصورة:

جديد الأخبار
image

السماح للسعوديات بقيادة الشاحنات والدراجات النارية

أعلنت السعودية، إنها ستسمح للنساء بقيادة الشاحنات والدراجات النارية، وجاء هذا في رد للإدارة العامة للمرور وقيادة قوات أمن الطرق بالمملكة عن إجابات لعدد من
image

مديرية الصحة بالشلف: اجتماع طارئ حول التكفل بضحايا لعبة الموت

كشفت مصادر عن مديرية الصحة والإسكان وإصلاح المستشفيات عن انعقاد اجتماع طارئ من قبل مدير الصحة بالشلف ـبخصوص الألعاب اللإلكترونية السلبية. وتم الاجتماع الطارئ بحضور اطباء
image

قايد صالح في زيارة عمل وتفتيش إلى الناحية العسكرية الثالثة غدا

يقوم الفريق أحمد قايد صالح، نائب وزير الدفاع الوطني، رئيس أركان الجيش الوطني الشعبي، من 18 إلى 21 ديسمبر 2017، بزيارة عمل وتفتيش إلى الناحية
image

افتتاح الطبعة الـ14 لأسبوع السينما الجزائرية بمدينة ليل

اُفتُتِحت بمدينة ليل شمال فرنسا الطبعة الـ14 لأسبوع السينما الجزائرية، حيث ستشهد هذه التظاهرة تكريم المؤلف والملحن الشيخ الحسناوي الذي توفي عام 2002 عن عمر
image

توقيف تاجري مخدرات وضبط أكثر من 17 كيلوغرام من الكيف المعالج بوهران

في إطار محاربة الجريمة المنظمة، أوقفت مفرزة للجيش الوطني الشعبي وعناصر الدرك الوطني يوم 16 ديسمبر 2017 بوهران/ن.ع.2، تاجري (02) مخدرات بحوزتهما (17,5) كيلوغرام من
image

فرنسا مستعدة للمساهمة في الحركية الجديدة للشراكة "الجزائرية-الفرنسية"

جددت الغرفة الجزائرية للتجارة و الصناعة-فرنسا التي تتطلع لضمان دور الوساطة بين المؤسسات و الشركات الخاصة في الجزائر و فرنسا أول أمس، بباريس التأكيد على
image

ولد علي: المطالبة بترقية "الأمازيغية" ينبغي أن تتم في هدوء

أكد وزير الشباب والرياضة،الهادي ولد علي،أن المطالبة بترقية اللغة الأمازيغية  وتعميمها في الجزائر "شرعية" لكن ينبغي أن "تتم في الهدوء" حفاظا على مكسبي  الاستقرار والسلم
image

بن خلاف يكشف المستور: "سونالغاز" تستورد معدات إسرائيلة.. !!

أكد النائب عن الإتحاد من أجل النهضة والعدالة والبناء، لخضر بن خـلاف، أمس، أن مجمع "سونالغاز" أستورد  معدات مصنوعة في إسرائيل لصالح أحد فروعه وهي
image

البيضاوية تهتزّ نصرة لفلسطين

احتشد الجزائريون، أمس، بالقاعة البيضاوية للمركب الرياضي محمد بوضياف، نصرة القدس الشريف واهتزت على الهتافات المساندة لفلسطين، حيث رفع الجزائريون الرايات الفلسطينية مرددين شعار "القدس
image

الجزائر تحتضن اجتماع المجموعة الإفريقية للاتحاد الدولي للقضاة

ستحتضن الجزائر خلال السداسي الأول من السنة  المقبلة, اجتماع المجموعة الإفريقية للاتحاد الدولي للقضاة والذي ستنصب أشغاله حول موضوع الرشوة داخل المنظومات القضائية واستقلالية القضاء
قيم هذا المقال
0