أقلام
أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
print نسخة للطباعة Plain text نص بسيط comments التعليقات (0)

مستقبل العلاقات الأميركية- الإيرانية


محمد الرميحي

 إيران حجزت لها مقعدًا مهمًا في الشؤون الإقليمية منذ فترة ليست بالقصيرة، وتأكد ذلك المقعد أمام تراجع نسبي للولايات المتحدة في شؤون الإقليم تحت إدارة باراك أوباما، تزامنًا مع الاتفاق النووي العالمي مع إيران صيف عام 2015، وأيضًا التدخل النشط لروسيا في الإقليم. أصبحت إيران لاعبًا في عدد من الساحات في الدائرة المحيطة، من العراق إلى لبنان إلى اليمن. ذلك كان التاريخ السابق، ماذا عن المستقبل؟ العقيدة السياسية الكبرى التي تحكم النظام السياسي الحالي في إيران هي (الحفاظ على النظام القائم) بكل الطرق وشتى الوسائل، وقد تركبت معه مصالح وامتيازات تفوق كثيرًا مصالح الشعوب الإيرانية الطبيعية، ولم يكن مستغربًا قبل أسابيع قول السيد علي خامنئي: «إن إيران تحارب في سوريا حتى لا تضطر للحرب في طهران»! ذلك قول يسير بشكل منطقي مع العقيدة السياسية الكبرى الإيرانية، هناك خوف (حقيقي ربما، ومبالغ فيه ربما أيضًا) على بقاء النظام. الخوف نابع من سببين؛ الأول التدخل الغربي في معظم سني القرن العشرين في الشؤون الإيرانية، على رأس ذلك التدخل ما عرف اليوم بثورة محمد مصدق في خمسينات القرن الماضي. والثاني هو اقتناع غير متحدث عنه علنًا، بأن النظام السياسي بقيادة رجال الدين ليس له علاقة بمسيرة التاريخ البشري، فهو يحمل بذور فنائه من داخله، ذلك الاقتناع بشقيه المعلن والمستور هو ما يدفع إيران إلى التمدد خارج حدودها لتأخير العطب، ساعد في ذلك التمدد عوار أساسي عميق في الدولة الوطنية تاريخي ومتجذر في كل من العراق وسوريا ولبنان وأخيرًا اليمن، أضعف من قدرة الدولة على المقاومة، لقد ساعد ذلك العوار التاريخي إيران أن تدفع بمصالحها متشعبة من خلال أدوات متعددة وصولاً إلى التوسع والتمركز. واضح أننا ندخل مرحلة جديدة اليوم، هي حتى الآن ضبابية غير واضحة المعالم، ولكن يمكن تلمس بداياتها، فقد عمدت طهران أخيرًا إلى القول العلن، إنها يمكن أن تتعاون مع المملكة العربية السعودية، في حلحلة المشكلات العالقة في الجوار، سوريا والعراق واليمن، كما قال المتحدث الإيراني (كما فعلنا في لبنان)! ذلك قول يشي بقراءة مبكرة إيرانية بما يمكن أن تتوجه إليه الإدارة الأميركية الجديدة من عداء علني للمشروع الإيراني برمته: التوسعي في الخارج والوطني في الداخل. وهو ما يزيد القلق الإيراني، بل ويفسر إصرار طهران في هذه المرحلة المبكرة على الاختلاف المعلن مع شريكها الروسي في مقاومة فاشلة لعدم دعوة الولايات المتحدة إلى محادثات آستانة! محاولة لإظهار الشوكة مبكرًا. إذا أضفنا إلى ذلك التحليل أن أول مسؤول من الشرق الأوسط، وربما من خارج إطار الأميركتين، سوف يلتقي بالسيد الجديد في البيت الأبيض دونالد ترمب، هو بنيامين نتنياهو، رئيس الوزراء الإسرائيلي، والأخير لم يعد موقفه وحكومته من طهران سرًا، بل قد سرب عددًا من المعلومات لشريك آخر هو موسكو أنه لا ينظر بعين الرضا لوجود (ثقيل) لإيران في سوريا، لا بأس من وجود مؤقت ولكن ليس ثقيلا! من ناحيته السيد دونالد ترمب يرغب في إرضاء إسرائيل لعدد من الأسباب، كثير منها داخلي أميركي؛ فالموقف المعادي له ولرئاسته من جانب الإعلام الأميركي، وهو أيضا شعبي، يمكن ضبط بعضه في نظره، بالتقارب أكثر مع تل أبيب، بجانب إرضاء الحزام المسيحي الواسع المتشدد، والذي يرى أن وجود إسرائيل هو تحقيق لنبوءة الكتاب المقدس. الاحتمال مما تقدم أن تدخل العلاقة الأميركية الإيرانية في منعطف مختلف عما كان عليه خلال السنوات الماضية في العهدين الأميركيين الجمهوري والديمقراطي، من مهادنة وخطب ود، وفي بعض الأوقات تعاون، إلى عداء صريح. إلا أن الأمور السياسية مثلها مثل الأدوية قد تكون ضارة نافعة أو العكس، فاحتمال نقل السفارة الأميركية إلى القدس، (إن حدث) قد يكون هدية لا إرادية من الإدارة الأميركية الجديدة إلى النظام الإيراني، الذي سوف يستفيد منها إعلاميًا من جهتين، كلتاهما مضللة للجمهور، الأولى إظهار معارضة شفوية معلنة ودؤوبة ضد الخطوة، والثانية محاولة إظهار بقية الأنظمة العربية أنها متقاعسة، وهي خطوة مزدوجة للوصول إلى الفضاء الشعبي العربي إمعانًا في خلط الأوراق. من جهة أخرى، لا يمكن استبعاد أن يحصل شيء من الصفقة أيضًا، بين طهران وواشنطن، أخذًا بالاعتبار الطريقة البراغماتية التي يتعامل بها نظام طهران في وقت الأزمات، من تلك الصفقة أن تحاول طهران بيع واشنطن فكرة (التعاون ضد الحركات الإرهابية في المنطقة) ولكن محاولة بيع تلك الفكرة للإدارة الجديدة سوف يكون صعبًا، لأن تلك الإدارة ترى أن طهران ليست بعيدة عن جذور الإرهاب أو احتضان بعضه. لا أرى الآن أن هناك أوراق مناورة كثيرة لطهران، غير أن تذهب إلى التشدد، ومعاودة حرب إعلامية وكلامية ضد (الشيطان الأكبر والأصغر) بل ربما الدفع بأحد الأطراف المتعاونة معها، من وكلائها من خارج الدولة وخارج إيران، بتصعيد الأمور، بل بعمل شبه جنوني، سواء في اليمن أو العراق أو سوريا أو حتى لبنان، أو غيرها من دول الجوار. الورقة المتاحة هي الموضوع الفلسطيني، الذي أولاً يجعلها تحمل ورقة رابحة في يدها جماهيريًا، وثانيًا تتخطى الاتهام الطائفي، إلا أن الورقة الفلسطينية تلك لن تكون لها القيمة التي كانت في عهد الإدارة الأميركية السابقة، تلك كان لها مشروع اسمه (حل الدولتين) فكان الحفاظ على حبل العلاقة مهمًا لها، في الحالة القادمة سوف يكون حل الدولتين (تاريخًا سابقًا) وبالتالي الورقة نفسها لن تكون مؤثرة. يبقى أمام إيران ما يمكن أن يعرف بـ(الانخراط البنّاء) في حل المشكلات العالقة والمعقدة في الدوائر الثلاث الأساسية (العراق، سوريا، اليمن)، شريكها الطبيعي هو المملكة العربية السعودية، التي تعرف طهران أنها تاريخيًا لم تكن ذات شهوة توسعية أو تهميش للآخر، كما لا تحمل أفكارًا للتوسع القومي الإمبراطوري. ربما هذا أول الخيط الذي يفسر الدعوة المتكررة أخيرًا من طهران للتعاون. السؤال الأكبر: هل تستطيع طهران أن تقلب الصفحة، كما حاول كل من رفسنجاني رحمه الله، وخاتمي أيضًا إلى حد ما؟ وهل تستجيب للمبادرة الخليجية التي حملها الأسبوع الماضي وزير الخارجية الكويتي! ذلك أمر يحتاج إلى أكثر من الكلام، بل إلى بناء الثقة، وأوله عودة الدولة السورية والعراقية واليمنية إلى الحضن العربي، والكف عن التدخل في الشؤون الداخلية العربية. إنها مرحلة فاصلة في تاريخ المنطقة سوف تعتمد إيجابياتها أو سلبياتها على ردة فعل من طهران، إن كانت تعقل، أو متابعة السير في الصدام! إلا أنها بالتأكيد لن تكون مرحلة كسابقتها.

آخر الكلام:

 ربما أول ما يجب على طهران النظر فيه مع التحولات العالمية العميقة هو توحيد منصة الانطلاق للتعامل مع الخارج؛ إما الدولة (الرسمية) وإما (الثورة) والتعامل مع المجموعات ما دون الدولة التي يقوم بها الحرس الثوري! الاحتفاظ بالاثنتين معًا هو وصفة تدميرية!

 

عدد القراءات 2020 مرة | قراءات اليوم 1 مرة

الإشتراك في تعليقات نظام RSS التعليقات (0 منشور):

أضف تعليقك comment

  • Bold
  • Italic
  • Underline
  • Quote

من فضلك أدخل الكود الذي تراه في الصورة:

جديد الأخبار
image

بوحجة : مشروع قانون الصحة الجديد يهدف إلى بناء منظومة متطورة ومتوازنة

أكد رئيس المجلس الوطني الشعبي السعيد بوحجة اليوم الأحد بالجزائر العاصمة أن مشروع قانون الصحة الجديد يهدف إلى بناء منظومة متطورة ومتوازنة تستجيب إلى آمال
image

بوحجة : مشروع قانون الصحة الجديد يهدف إلى بناء منظومة متطورة ومتوازنة

أكد رئيس المجلس الوطني الشعبي السعيد بوحجة اليوم الأحد بالجزائر العاصمة أن مشروع قانون الصحة الجديد يهدف إلى بناء منظومة متطورة ومتوازنة تستجيب إلى آمال
image

حجز أكثر من 3 كيلوغرامات من الذهب بمطار وهران

 ضبط عناصر الجمارك بمطار أحمد بن بلة الدولي بوهران حوالي 443ر3 كيلوغراما من الذهب, حسبما علم اليوم الأحد من مصلحة الإتصال للمديرية الجهوية للجمارك. وقد
image

42 وكالة سياحة وأسفار ستشارك في تنظيم عملية الحج

أعلن وزير الأشغال العمومية والنقل عبد الغني زعلان اليوم الأحد بالجزائر عن التوصل إلى اتفاق مبدئي مع هيئة الطيران المدني السعودي حول البرنامج الجديد للرحلات
image

إحباط صفقة بيع 3 قطع من العاج و17 قطعة نقدية أثرية بميلة

تمكنت فرقة البحث والتحري بأمن ولاية ميلة من إحباط صفقة لبيع 3 قطع من العاج و17 قطعة نقدية أثرية حسب ما صرح به اليوم الأحد 
image

قوات السلاح الجوي للجيش الوطني الشعبي الجزائري في حمايات الحقول البترولية

  استنادا لما ورد على لسان" سبق "  ان مؤسسة سوناطراك  هي من ستتكفل بحماية المواقع والحقول البترولية الجزائرية بالتنسيق مع القوات الجوية التابعة للجيش
image

الفريق قايد صالح يبرز الاهتمام الكبير الذي توليه القيادة العليا للجيش الوطني الشعبي

أبرز الفريق أحمد قايد صالح نائب وزير الدفاع الوطني وقائد أركان الجيش الوطني الشعبي اليوم الأحد بوهران الاهتمام الكبير الذي توليه القيادة العليا للجيش الوطني
image

ڤايد صالح يستأنف زيارة العمل والتفتيش إلى الناحية العسكرية الثانية

استأنف الفريق أحمد ڤايد صالح، نائب وزير الدفاع الوطني، رئيس أركان الجيش الوطني الشعبي، صباح هذا اليوم الأحد 22 أفريل 2018 زيارته إلى الناحية العسكرية
image

أكثر من 30 دولة تشارك في المؤتمر الدولي حول "تدريس التربية الإسلامية في المؤسسات الرسمية" غدا بالجزائر

 أعلن رئيس المجلس الإسلامي الأعلى، بوعبد الله غلام الله، اليوم الأحد بالجزائر العاصمة، أن "أكثر من 30 دولة وهيئات إسلامية ستشارك بداية من يوم غد
image

حنون تدعو لتصحيح اختلالات قانون المالية 2018

جددت الأمينة العامة لحزب العمال ،لويزة حنون، أمس،  دعوتها  لاستحداث لأن يكون قانون  المالية التكميلي مصوبا لقانون المالية 2018 من الناحيتين الاجتماعية والاقتصادية". وقالت حنون خلال
قيم هذا المقال
0